المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

باسل أبوسعيد Headshot

حركة فتح والحاجة إلى مبادرة إصلاح وطني

تم النشر: تم التحديث:

تأتي خطوة انعقاد المؤتمر السابع لحركة فتح في مرحلة اعتبرها المراقبون حساسة من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل تجاذبات داخلية وانقسامات وطنية، فضلاً عن بيئة إقليمية معقدة وملتهبة، وجميعها عناصر شكَّلت في مجموعها تحدياً لهوية الحركة التاريخية ولدورها المستقبلي في إنجاز مهام الاستقلال، فالتنظيم الجماهيري الأوسع الذي قاد العمل الوطني في الثورة المعاصرة للشعب الفلسطيني لم يعُد تنظيماً للفدائيين بالرغم من إعلانه المتكرر تمسكه بموروثه الثوري، والحركة التي أمسكت بمقاليد السلطة الفلسطينية على مدار 22 عاماً لم تتمكن من تقديم نموذج مدني ديمقراطي واضح للحكم، رغم إنجازاتها المتواضعة في بناء مؤسسات الدولة في مناطق الضفة وقطاع غزة.

وقد جاءت الدعوة لانعقاد المؤتمر السابع في الوقت الذي تعيش فيه حركة فتح حالة من التشتت؛ طال البنية والنهج والممارسة، بدءاً مع رحيل زعيمها المؤسس ياسر عرفات عام 2004، ووصل ذروته بعد الهزيمة التي منيت بها في الانتخابات التشريعية عام 2006، وخسارة نفوذها في قطاع غزة الذي كان سبباً رئيسياً في عقد مؤتمرها السادس عام 2009.

وقد كان للتحولات الإقليمية والأزمات التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، والتي انعكست سلباً على الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، دور في إضعاف قدرة حركة فتح التي تتزعم منظمة التحرير الفلسطينية على المناورة والتأثير في إدارة الصراع مع إسرائيل.

وبالرغم من محاولات حركة فتح لاستعادة مكانتها قبل الدعوة للمؤتمر السابع من خلال تبني برامج بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاقتصاد ودعم خيار المقاومة الشعبية، بالإضافة إلى الجهد الدبلوماسي الذي تكلل بحصول دولة فلسطين على صفة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، فإنها جاءت على حساب تعاظم الخلافات الداخلية في الحركة وتعميق هوة الانقسام ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة سياسياً وإدارياً وقانونياً، فضلاً عن التراجع الملموس في مستويات العدالة الاجتماعية الذي تمثل في تفشي مظاهر الفساد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور التعليم والصحة والإنتاج، مع ازدياد الانتهاكات للحقوق والحريات، وتقويض القضاء وتعطيل المؤسسات، والاستحواذ على السلطات في يد مؤسسة الرئاسة، في الوقت الذي استمرت فيه إسرائيل، في مواصلة سياساتها الاحتلالية؛ حيث مصادرة الأراضي وتوسيع للمستوطنات وتقطيع لأوصال المدن في الضفة وتهويد لمدينة القدس وإحكام الحصار على قطاع غزة.

لكن أعمال المؤتمر السابع ومداولاته لم تكن بمستوى التحديات، فمن ناحية لم تولِ الاهتمام والنقاش الكافي لعلاج الأزمات المتعددة التي تعصف بحركة فتح، خصوصاً فيما يتعلق بالخلافات الداخلية؛ حيث تم إرجاء الخوض فيها، ومن ناحية أخرى تم استبعاد التيارات والأصوات المتمردة داخل الحركة من المشاركة في المؤتمر، وعلى وجه الخصوص التيار الأبرز بقيادة النائب محمد دحلان، والذي لم يتمكن خلال السنوات الماضية من تقديم رؤية واضحة لطبيعة التغيير وبرنامج بديل عما تم طرحه في المؤتمر السابع، ولعل الإخفاق في تطوير حالة معارضة حقيقية داخل "حركة فتح" قد دفع بالقيادة المتنفذة والموالية للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الانفراد بتنظيم المؤتمر والتحكم بمخرجاته، وهو الأمر الذي قد يشكل تهديداً جديداً لبنية الحركة وتماسكها الداخلي في الفترة المقبلة، إن لم يتم توفير بيئة ديمقراطية حاضنة لتيارات المعارضة.

كما فرض المؤتمر السابع لحركة فتح، الذي انطلق تحت شعار "مؤتمر تجسيد الدولة والاستقلال الوطني"، معطيات جديدة تشير إلى تحولات هامة في مسيرة الحركة، فالانسجام الواضح ما بين الكوادر المدعوة واستبعاد معظم أصوات المعارضة من المشاركة في المؤتمر أتاح تبني برنامج جديد للحركة يعتمد بشكل رئيسي على النهج السياسي والدبلوماسي في الصراع مع إسرائيل، بالإضافة إلى مشاركة العديد من الوفود الدولية والأحزاب السياسية حول العالم، ما عبَّر عن نظرة المجتمع الدولي لحركة فتح كعنوان للحفاظ على عملية السلام والاستقرار في المنطقة، وهو ما يكرس تحوّل الحركة من طابعها الثوري إلى صيغة الحزب الحاكم، وبالتالي قد يفتح المجال لمزيد من الخلافات على هوية الحركة مستقبلاً، إن لم يتحقق حلم الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية في السنوات القادمة.

وباختتام أعمال المؤتمر السابع، يتضح أن المنعطف الذي تمر به حركة فتح ليس بمعزل عن الحالة الداخلية المأزومة باستمرار الخلاف وتعدد الرؤى في الحياة السياسية الفلسطينية، فمنذ التوقيع على (اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993) وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، لم تتمكن الفصائل من التوافق حول استراتيجية واضحة لتحقيق الأهداف الوطنية أو تجسيد شراكة وطنية واسعة في مختلف القضايا؛ لذلك فإن حالة الضعف التي تعيشها مكونات العمل السياسي الفلسطيني ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد، ففي حين تكابد فصائل اليسار الضعف والانحسار في الشارع الفلسطيني، حيث باتت تمارس أدواراً هامشية وانتهازية غير مؤثرة في السياق العام، تستمر حركة حماس، الخصم القوي لحركة فتح، التي تسيطر على مقاليد الأمور في قطاع غزة منذ عشر سنوات، في التمترس وراء مشروعها السياسي الإقليمي، الذي لا يضع ضمن اعتباراته الأولويات الوطنية الفلسطينية بالضرورة، أما دور المجتمع المدني فيكاد يكون معدوماً في ظل حالة تهميش للمشاركة المجتمعية في صنع القرار، وعدم وجود نظام للحوكمة الرشيدة، وبالتالي فإن الوضع البائس يمنح قوة دفع لاستمرار حالة الانقسام والشلل في المؤسسات التشريعية ويبدد الآمال في إنجاز مصالحة حقيقية.

يبدو أن حركة فتح، التي تتحكم منذ خمسين عاماً في مفاصل القرار الفلسطيني، وحققت نجاحات وامتلكت زمام المبادرة في كثير من المنعطفات لم تحقق نفس القدر من النجاح لإرساء الممارسة الديمقراطية والتعددية وقبول الاختلاف والتنوع، مما يعكس هشاشة البيئة السياسية الداخلية التي يعيشها الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقت آخر، خصوصاً مع اللجوء المفرط لاستخدام لغة التخوين وإقصاء الآخر وممارسة الابتزاز بأشكال متعددة التي تخرج الخلافات في كثير من الأحيان عن سياقها السياسي الوطني، وهو الأمر الذي يجعل أصوات المعارضة فاقدة للشرعية، ويضعها في إطار المناكفات وردود الفعل لتحقيق أهداف ضيقة؛ لذا أصبح جلياً أن تأجيل معالجة الأزمات وإقصاء الأصوات المعارضة يشكل هروباً سياسياً إلى الأمام وتهديداً للسلم الأهلي، الذي سيقود في نهاية المطاف إلى مزيد من التشرذم وبروز حالات معارضة أكثر راديكالية وذات أبعاد انفصالية قد تطيح بما تبقى من انسجام وتوافق عام حول المشروع الوطني الفلسطيني.

إن حماية النظام السياسي الفلسطيني من الانهيار تتطلب إعادة النظر في ثقافة الاختلاف والاختصام بعيداً عن الأسباب والمسببات للخلافات والانقسامات التي لم تحسمها المصالحات التقليدية حتى الآن، فالحاجة أصبحت مُلحَّة إلى إعادة إنتاج القيم والتقاليد السياسية في إطار "مبادرة إصلاح وطني" من أجل توفير اصطفاف وطني جامع لخلق مناخ ديمقراطي ومنفتح على الرؤى والاتجاهات المختلفة، وضمان حضور إيجابي وفعَّال لحالات متعددة ونوعية من المعارضة، وامتلاك الأدوات والمؤسسات للتأثير في كافة مسارات العمل السياسي الفلسطيني.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.