المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام عبد الله  Headshot

أزمة اللاجئين في أوربا، وبراميل بشار الأسد

تم النشر: تم التحديث:

من الواضح تماماً أن الجزء الأكبر من أزمة اللاجئين المتفاقمة في الوقت الراهن في أوربا هي نتيجة للأوضاع المأساوية في سوريا، فالناس هناك يهربون من أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية سباقة في وضع برامج خاصة لاستقبال اللاجئين السويين وتوزيعهم على الولايات الألمانية المختلفة، والإحصائيات الرسمية تشير إلى أن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم ألمانيا وحدها إلى الآن يفوق عدد الذين استقبلتهم دول أوربا مجتمعةً! هذا الموقف الإنساني التاريخي يُسجل لألمانيا وكذلك للدول التي حذت حذوها، ومشاهد الترحيب باللاجئين في محطات القطارات ستبقى عالقة في الأذهان إلى أمد بعيد.
ولكن الجميع يعلم أن معالجة أعراض الأزمة لن تكون كافية ما لم يلتفت العالم كله لمعالجة السبب الرئيسي القابع في دمشق.
لا يخفى على أحد الأسباب المتعددة لنزوح السوريين من مدنهم وقراهم ولجوئهم إلى مختلف دول العالم ما استطاعوا إليها سبيلا، لكن بالتأكيد يبقى على رأس هذه الأسباب العنف غير المسبوق الذي مارسه ويمارسه نظام الأسد على المدنيين في سوريا، والذي تجاوز استخدام الأسلحة الثقيلة وسلاح الجو إلى استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، كالقنابل العنقودية والفراغية التي ثبت استخدامها بالوقائع والأدلة، بالإضافة إلى الأسلحة الكيماوية التي تبث الرعب الأكبر في قلوب المدنيين، وأكبر مثال على ذلك كانت المجزرة الكيماوية في غوطة دمشق في آب عام 2013 ، ولا تزال هذه الجرائم مستمرة باستخدام النظام لغاز الكلور القاتل في عدة مناطق من سوريا. هذا كله إلى جانب الإرهاب الوحشي الذي تمارسه مخابراته وميليشياته الطائفية من اعتقالات ممنهجة، وإمعان في قتل وإذلال الشعب دون أدنى درجة من الرحمة.

وفوق هذا كله ونتيجةً له جاء تنظيم داعش المشبوه المنشأ، ليكمل ما بدأه النظام على الأرض ويوغل في قتل وتعذيب السوريين على كافة المستويات، في مشاهد أشبه ما تكون برسائل انتقام وتخويف للسوريين والعالم من مصير يواجهونه إذا ما رحل الأسد عن السلطة، وقد بدأنا نجد صدى ذلك في تصريحات بعض المسؤوليين الأوربيين، لتضيف داعش على مأساة السوريين وعذابهم مأساة أخرى وسبباً إضافياً للهروب والخروج من كابوس لا تبدو له نهاية قريبة.
وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة وتصريحات مسؤوليها نجد بالمقارنة بين عدد ضحايا إجرام النظام وضحايا همجية وإرهاب داعش، إن حجم الكارثة وعدد الضحايا الذي تسبب به سلاح الجو السوري يفوق بأضعاف عدد الضحايا الذين قتلوا على يد داعش، ففي عام 2015 بلغ المعدل الأسبوعي للقتلى المدنيين بيد جيش الأسد 250 شخصاً، ومثلهم المصابون بإصابات خطيرة، وهذا العدد يفوق ما قتلته داعش بسبع مرات وفق إحصائيات رسمية!

بِتنا نرى ونراقب بكل وضوح عجز المجتمع الدولي عن وضع حد لهذه الجرائم التي يتعرض لها الشعب السوري من نظام الأسد وأذرعه الإرهابية، والتحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة يكاد يكون كقلّته، فلا نجد أي تأثير يذكر لهذه الطلعات الجوية شبه اليومية على مواقع تنظيم داعش.
وتبقى الحقيقة المحزنة الصادمة التي يعاني منها كل السوريين هو هذا التخاذل والتقاعس المريب من المجتمع الدولي، فالكل يرى كيف يقتل الأسد المدنيين بدم بارد في المناطق التي يفقد سيطرته عليها، كما حدث مؤخراً في مدينة دوما بريف دمشق، وما إن يحاول الناس اللجوء إلى أماكن أكثر أمناً حتى يبدأ الأسد بقصف ممرات الهروب ومخيمات اللجوء الواحدة تلو الأخرى. إنه يتبع سياسة التهجير من خلال إخلاء مناطق ومدن كاملة، وتغيير ديموغرافيتها، وحرق وقصف الأبنية التي تحتوي على وثائق ملكية العقارات، وتكثيف القصف للقضاء على كل مقومات الحياة من ماء وكهرباء، مما يضطر الناس لترك بيوتهم، والهرب بحثاً عن الأمن وحياة طبيعية لهم ولأبنائهم .
إن الغالبية العظمى من اللاجئين في دول الجوار السوري يعيشيون في خيام لا تقي برداً في الشتاء أو حراً في الصيف، وتزداد الكارثة الإنسانية ويتفاقم أثرها بتزايد أعداد اللاجئين الوافدين بشكل يومي، وما يتبع ذلك من اكتظاظ سكاني وانتشار للأوبئة والأمراض وضعف الرعاية الصحية ووسائل الوقاية، وما تزال هذه المأساة مستمرة من سيء إلى أسوأ منذ أربع سنوات دون أن يكون هناك بصيص أمل على نهاية هذه الأزمة. ونتيجة لهذه الظروف في هذه المخميات، والاقتصاديات شبه المنهارة وعدم الاستقرار السياسي والأمني للدول المضيفة، لم يعد للسوريين خيار سوى البحث عن مكان آخر لبدء حياتهم وتأمين مستقبل أفضل لأطفالهم..
لذلك كانت أوروبا هي الأمل الوحيد والوجهة الأقرب للجوء رغم بعدها الجغرافي، فكانت ردة الفعل أن قامت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ببناء الحواجز والأسوار المعدنية الشائكة من أجل منع اللاجئين حتى من عبور أراضيها إلى دول أوربية أخرى، بينما قامت دول أخرى مشكورة باستقبال مئات الآلاف من اللاجئين وتأمين المأوى المناسب لهم وإعطائهم حقوقهم، كلاجئين وفق مواثيق حقوق الإنسان ومعاهدات الأمم المتحدة.
و لكننا نعلم جميعاً أنه من أجل إنهاء هذه الأزمة لابد من إنهاء أسبابها واستئصالها من جذورها، وهي انعدام الأمن وانعدام الاستقرار في سوريا بسبب هجمات الأسد على المدنيين

لذلك فإن فرض منطقة حظر جوي ستكون من شأنها القضاء على الفور على السبب الأكثر خطورة لهذه الأزمة الممثلة بمروحيات وطائرات الأسد، و بذلك يمكن أيضاً إنشاء ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية لمستحقيها وعودة الكثير من المدنيين إلى مدنهم و قراهم.

يجب التغلب على استراتيجية الأسد المخادعة بإستخدامه براميل الموت وإجباره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولن يتحقق هذا بدون خطوات حقيقية وفعالة، تتضمن فرض واقع جديد على الأرض ووضع حد لتدخل إيران ومليشياتها في سوريا. إن فرض حظر جوي وإنشاء منطقة آمنة في سوريا من شأنه أن يدعم الجهود الدبلوماسية ويمنحها الزخم اللازم للبدء بالحل السياسي المتمثل بنقل السلطة في سورية إلى هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات كاملة، هذا الحل الذي يستند إلى وثيقتي جنيف الأولى والثانية واللتين اتفق عليهما المجتمع الدولي بما في ذلك روسيا

و هنا لابد أن نذكّر بأن الوقت بدأ ينفد، خاصة بعد الاتفاق النووي مع إيران وقرار الأمم المتحدة رقم 2231، ولم يتبق سوى القليل من الوقت، قبل أن تحصل طهران على العديد من المليارات نقداً، لتتمكن من استخدامها لدعم الأسد، وهذا بالضبط ما يخشاه ملايين السوريين. لذلك فإنه من واجب المجتمع الدولي أن يضمن أن هذه الموارد لن تستخدم لدعم آلة القتل الممنهج في سوريا.

حان الوقت لأوروبا كي تأخد زمام المبادرة وتمتلك الإرادة السياسية نحو إنشاء منطقة آمنة وفرض حظر جوي في سوريا، ليس لأسباب إنسانية تتعلق بإنهاء معاناة الملايين من السوريين فحسب، بل لأسباب باتت تتعلق بأمن أوربا نفسها واستقرار حدودها واتفاقياتها الدولية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع