المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

براء عيّاش Headshot

الطريق إلى الله مليء بالجنون

تم النشر: تم التحديث:

انتهيت من رواية "الأبله" لدوستويفسكي سريعاً، فقد كان يجب أن أرجعها إلى صاحبها بعد يومين، ألحقت الرواية بأختها "دميان" لهيرمان هسّة، فانتهيت منها في غضون يوم ونصف.

من الصعب أن لا تنهي كتاباً يبدأ بهذه الجملة: "لم أكن أريد إلا أن أعيش وفق الدّوافع الحقيقيّة الّتي تنبع من داخلي، فلمَ كان الأمر بهذه الصّعوبة؟"، حقّاً لماذا؟ الرواية لا تعطيك الجواب، والكاتب نفسه عجز عن إيجاد الإجابة، الكاتب كان قد كتب الرواية باسم وهميّ، واعترف بأنّه صاحب الرواية بعد أن طبعت منها عدّة طبعات، اعتقد أنّه مكث مدّة بالصحة النفسية، فرواية كهذه لا يمكن أن تخرج إلا من مجنون، حمدّت ربي بعد الانتهاء من القراءة أنني وجدت روحي ونفسي منذ سنة تقريباً، وإلا لقضت عليّ هذه الرواية تماماً.

أثناء القراءة تذكرت نفسي قبل فترة من الزمن، أتذكر الليالي التي قضيتها بصحبة فرانز كافكا وإميل سيوران، وذلك الكتاب الذي يتحدث عن السيكولوجيا والجنس من تأليف أحد تلامذة فرويد، قد تمرّد على المدرسة التحليلية في علم النفس، ولذلك اعتبر من أنتج "ثورة في الثورة"، اعتقد أنني بدأت القراءة لنيتشة، نيتشة كاد يُصاب بالجنون بسبب أرق أصابه لست سنوات متتاليات، لكنّه استطاع أن يحوّل هذا الأرق الذي يمنعه من النوم إلى وسيلة لتحصيل المعرفة، أما أنا فأحصيت ثلاثاً وأربعين ليلةً متتالية بدون أن أنام في أي منها ولو لدقيقة، لكنني على عكس نيتشة لم أتمكن من تحويل هذه الليالي إلى أيّ شيء مفيد.

يقول حسين البرغوثي في روايته الضوء الأزرق: "لا يستيقظ في العزلة إلا ما هو كامن فينا أصلاً"، تخيّل ما استيقظ بداخلي عندما عشت في عزلتي لـ43 يوماً، كنت أقول لأصدقائي إنني مسافر إلى القرية، وأغلق هاتفي لأسبوعيْن كاملين حتى لا ألتقي بأحد، صحّتي تدهورت، ووزني اقترب من حدّ الخطر.

ما لم أكن أعرفه في تلك الأيام السوداء القاحلة عديمة النوم والراحة أن التغيير كان يكمن لي في المنعطف القريب، وأنا في منتصف الضياع لم أضيّع صلاتي أبداً، كان الأمر غريباً بصراحة، لكنّ الصلاة لم تكن كافية لإخراجي مما أنا فيه، وجدت نفسي بعدها فجأة في عمّان الساعة السابعة مساءً، وفي الواحدة ظُهراً في اليوم التالي كُنت على متن الطائرة متوجّهاً إلى القاهرة، قضيت ما يقارب النصف شهر في هذه الرحلة لأعود إلى عمّان مرةً أخرى، وهناك التقيت بصديق لي تعرفت عليه على الإنترنت، وعندما ودّعني أهداني كتاباً لعلي عزّت بيغوفيتش بعنوان "الإسلام بين الشرق والغرب"، سألته وأنا أتلقف منه الكتاب: منيح الكتاب؟، قال لي: لو مخّك نضيف رح يعجبك، وقفت مع نفسي أفكّر، هل مخي نضيف فعلاً؟! لا أعتقد بصراحة، مخّي في تلك الأيام كان يُشبه منفضة سجائر، أو لنقل كرئة مدمن على التدخين، مليء بالأوساخ والبُقع السوداء والأعشاب الضّارة، اشتريت قبل مغادرتي الأردن علبتي سجائر، وأوّل ما فعلته عندما وصلت إلى نابلس هو إشعال السيجارة وتدخينها، لم تعجبني الفكرة كثيراً، فقد كانت تلك أوّل وآخر سيجارة، أوّل ما التقيت بأهلي استغربوا كثيراً، فقد كنت حليق الرأس تقريباً بينما قمت بإطلاق لحيتي.

عندما استقررت أخيراً وجدت نفسي أقرأ الكتاب، أحداث كثيرة حدثت في وقت قليل، لا أستطيع تذكّر معظمها لكن كلّها بلا شك قامت بإنقاذي وصقلي، أو لنقل جعلتني أكتشف نفسي ومن أنا، وجدت أيضاً "بياتريس" الخاصة بي، لو أنّ سنكلير وجد ما وجدته لاهتدت روحه إلى الله مباشرةً، فقد كانت أعظم مما وجده هوَ، كانت تملك مفاتيح السماء، لا أعلم ما حدث بعدها، قلبي الذي كان يُشبه منفضة السجائر، ذلك القلب الذي كنت أعتقد أنني وُلدتّ دونه تفتّحت الورود بداخله وأصبح رقيقاً خفيفاً كلون السماء، أكثر ما لفت انتباهي أثناء إقلاع الطائرة من مطار القاهرة أن جوّ القاهرة مليء بالغبار وبالتلوث، السماء هناك لونها أصفر تقريباً، وبعد دقائق من إقلاع الطائرة تستطيع أن ترى خطّاً أفقياً بكلّ وضوح، تحت هذا الخط سماء القاهرة الصفراء، وفوقه سماء الله الزرقاء الصافية، بدأت أفهم جلال الدين الرومي بدون أن يتكلّم، واستطعت أن أرى الموسيقى، وأستمتع بمقام النهاوند كثيراً، ويُذكر أيضاً أنني كنت مع الحلّاج لحظة إعدامه.

يقول سنكلير: "الطّائر يكافح للخروج من البيضة، البيضة هي العالم، والّذي يريد أن يُولد عليه أولاً أن يدمّر عالمًا... الطّائر يطير إلى الله"، نعم لقد كافحت وخرجت من البيضة وأنا الآن أحلّق في السماء، قبل ثمانية أشهر ضعت أنا وصديقي الذي أعطاني كتاب بيغوفيتش في صحراء جنوب الأردن، كان الجوّ ماطراً والتراب المُبتل يصعّب الأمور كثيراً، الخطوة تحتاج عشرة أضعاف القوة الطبيعية لكي تستطيع رفع قدمك عن الأرض بسبب التصاق الوحل بها، بعد ساعة من المشي بدون هدف، تنظر إلى يمينك وشمالك ولا تجد أي اختلاف، كل الاتجاهات متشابهة، لو قمت بالدوران حول لنفسي سريعاً لاختلطت الاتجاهات تماماً، لم أعد أعرف هل أنا أسير إلى الأمام أم إلى الخلف، لو وضعت في هذا الموقف قبل رحلتي إلى القاهرة لضعت بكلّ معنى الكلمة، ولأصبحت الصحراء سوداء، وتحمل الموت مع كل سراب يتشكّل أمامي، لكن عندما وجدت الإيمان بقلبي بعد رحلتي الطويلة، لم أخف ولم أجزع، كانت الصحراء مكاناً مناسباً للتفكير، الصمت تام، لا تشعر بوجود أحد سوى الله.

قمنا بالاتصال بالشرطة وحاولوا مساعدتنا وقالوا لنا بأنهم سوف يبعثون دوريات للبحث عنا، وأخبرونا بإجراءات السلامة وكيف نحافظ على أنفسنا، واستمررنا بالمسير، بعد سبع ساعات متواصلة من السير، شاهدنا أوّل إنسان في هذه الصحراء، قلت لصديقي: لم أشعر بمثل هذه السعادة من قبل لرؤية بشر! خرج لنا الرجل من بيت الشعر، وسقانا ماء المطر، وأخبرنا بالطريق الصحيح، وشكا لنا ما يتعرض له من التوهان عند زيارته للمدينة، فهنالك لا يوجد تضاريس يهتدي بها! تابعنا السير لنصل بعد ساعات أخرى إلى الخط الرئيسي، وذهبنا من هناك إلى البحر الأحمر لنشاهد شروق الشمس على البحر، بينما نستمع لأغنية نجاة الصغيرة: "أنا بعشق البحر".

لكلّ شخص شيء ما يساعده على كسر البيضة، سنكلير وجد دميان، وحسين البرغوثي وجد الصوفي "برّي"، وأنا.. لا أعلم، شكراً لبيغوفيتش، شكراً لمن أعطاني الكتاب، شكراً لبياتريس، شكراً للعيون العسلية، شكراً فلسطين، شُكراً لكلّ من ساعدني بدون أن يعرف أو أعرف.

اكسر بيضتك، وتجرّأ على التوهان لتجد الطريق، فمن لا يضلّ لا يهتدي؛ لأن العقل إذا تمدّد لا يعود أبداً كما كان، فالروح والقلب كذلك أيضاً، إن هذا مُخيف بشكلٍ ما، أليس كذلك؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.