المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بندر الزهراني Headshot

النجاح يبدأ بمحاولة ..!!

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكن أن نقول عن الإخفاق في تجربة ما أنه فشلٌ محض، فالفشل إن وقع فإنه يقع بنسبة معينة، أي أنه لأي تجربة يخوضها الإنسان هناك احتمالات أو نسبٌ معتبرة للفشل والنجاح، فإن زادت نسبة الفشل أخفق الإنسان، وإن قلت نسبته نجح، ولا يعني فشله إلغاء وجود نسب النجاح المنخفضة.

وهذه بالطبع ليست فلسفتي الشخصية ولكننا نجد في تجربة برنولي على سبيل المثال أو تجربة ذات الحدين في نظرية الاحتمالات فرضية وجود نتيجتين، أو أكثر من نتيجتين ويمكن تقليصها إلى نتيجتين، هاتان النتيجتان يُعبر عنهما بالفشل والنجاح، ويتم حسابهما بنسبٍ محددة بحيث تكون محصلة جمع هذه النسب تساوي مئة بالمئة.

وعلى هذا ومن وجهة نظر إحصائية بحتة يُعرف الفشل على أنه مكملة أو متممة النجاح، وكلما زادت هذه المتممة زادت فرص النجاح.

وعلى أية حال، فإن كلمة الفشل كلمة قاسية ولها أثر سلبي على النفس، ولو أننا استبدلناها بـ"محاولة النجاح" لكان أفضل وأدعى للمصلحة. وبرغم أن لفظة "الفشل" وردت صريحةً في القرآن الكريم في أربعة مواضع إلا أنها في كل مواضعها جاءت بصيغةٍ تحذيريةٍ لئلا يختلف الناس فيتنازعوا وتذهب قوتُهم، ولم تأتِ لتؤكد مقولة أن الفشل هو بداية النجاح. وللأسف أن هذه المقولة تُسمع من بعض المتخصصين وتُقرأ في مقالات البعض الآخر. ولكنني شخصياً أرى أن الفشل إذا ما أُدخل في هذا السياق فإنما هو كناية عن تكرار المحاولات والإصرار على رفع نسب النجاح حتى يتحقق المراد.

شخصية مثل ستيف جوبز لم تكن شخصية فاشلة حتى يأتي أحدٌ ويستشهد بمحاولات جوبز ويزعم أنه كان فاشلاً ثم تعلم من فشله وأنشأ العملاقة آبل فيما بعد! صدقوني لو لم تكن في نفسه كوامناً للنجاح لما نجح أصلاً ولما بلغت تفاحته أرجاء العالم كله. وما يقال عن جوبز يقال عن جان كوم، وما يقال عنهما يقال بشكل أكبر على العالم العبقري ألبربت آينشتاين.

ومازلت أتذكر جيداً أن أستاذاً كان يدرّسنا الفيزياء قال لنا ذات مرة إن آينشتاين كان فاشلاً ثم تحول فيما بعد إلى أعظم علماء القرن العشرين! وكأن أستاذنا في حينها كان يقول لا تحزنوا على أنفسكم ولا على أمتكم للفشل الذي أنتم فيه فسيأتي يوم ما وتتفوقون! بالطبع هذا أسلوب خاطئ للتحفيز، فلا نحن كنا بحاجة لتحفيز من هذا النوع ولا آينشتاين نفسه كان فاشلاً، ولولا نوازع التفوق وكوامن النجاح في نفسه لما تبوأ مكانة مرموقة بين علماء العالم في الفيزياء.

في إحدى المرات زارني طالبٌ في مكتبي بالجامعة يشكو فشلاً وقع فيه، وقال لي: يا أستاذ وقعتُ اليوم في كارثة كبيرة، فتعجبت من قوله هذا وسألته، وما هي هذه الكارثة؟ فقال: حصلت على صفر في اختبار الكيمياء الأول. فتبسمت في وجهه، وقلت له مازحاً: قد أصبحت مشهوراً فلا تحزن! فتبسم أيضاً، ثم بدأتُ أنصحه بعدة نصائح وأعطيه وصفة للنجاح تعودت أن أقدمها لمن هو في حالته من زملائه الطلاب، إلا أنني لاحظتُ في كلامه إصراراً وحماساً يندر أن أجده من طالب يعاني الإخفاق، كان يتمنى لو أن يعاد الاختبار في حينه حتى يغيّر ما كان منه.

وبعد أربعة أعوام من هذا الموقف وأنا في طريقي نحو مكتبي استوقفني شابٌ يسلم عليّ، ثم قال لي: هل تتذكرني يا أستاذ؟ فقلتُ لابد وأنك من طلابي! قال: نعم أنا من طلابك ولكنني كنت مميزاً عن كلِّ المميزين، فتعجبتُ أنني لم أعرفه، حيث إنني لا أنسى المميز من طلابي، قال في ابتسامة تملأ وجهه: أنا صاحب الصفر في اختبار الكيمياء! فضحكت بصوت عالٍ وسلمتُ عليه، وسألته عن حاله، وذكر لي أنه تفوق على كل زملائه وهو يدرس الطب بالسنة الرابعة. فتعجبت من حاله، وأدركت حينها أن الصفر لم يكن فشلاً محضاً، وإنما هاجساً وعاملاً إيجابياً أيقظ في نفس هذا الطالب مكامن للنجاح فاقت إخفاقه ورفعت نسب نجاحه إلى مستويات عالية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.