المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بندر الزهراني Headshot

التعليم والولاءات الطاهرة

تم النشر: تم التحديث:

التعليم في المملكة لا بد أن يتماهى مع سياسة الدولة بشكل عام، إذًا لا يُعقل أن الدولة تعمل في نسق معين وتعليمها يعمل في نسقٍ دون ذلك. وما أقصده بتماهي التعليم ليس في الأطر واللوائح المنظمة لعمل الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية في الداخل، ولكنني أعني ضلوع التعليم وانخراطه بشكل مباشر في تحقيق رؤى السياسة الخارجية للدولة. ولعل من التماهي الذي أعنيه هو استقطاب الطلاب الدوليين المتفوقين للدراسة في الجامعات السعودية بشكل واسع يشمل كل الجامعات وكل التخصصات.

المملكة كما هو معلوم بلدٌ نفطي ثري وهي الدولة العربية الوحيدة ضمن دول مجموعة العشرين (G20) ولديها العديد من الفرص الاستثمارية في الكثير من المجالات، وقد ذهبتْ في السنوات العشر الأخيرة إلى ابتعاث كمٍ هائل من الطلاب للدراسة في الخارج والحصول على الدرجات العلمية المختلفة من أرقى وأهم الجامعات العالمية، هذه الوفرة في الابتعاث أمرٌ يحسب للدولة وتشكر عليه، فالاستثمار في العقول البشرية ليس فيه خسارة إطلاقاً.

ولكن الابتعاث بهذه الكميات الهائلة خلق خللاً كبيراً في التركيبة الطلابية في الجامعات السعودية، فعلى افتراض أن كلَّ المتفوقين قد حصلوا على فرصٍ للابتعاث واختاروها بديلاً عن الجامعات المحلية، فإن هذا من شأنه الهبوط بالمستوى العام للطلاب وبالتالي ينعكس سلباً على المستوى العام للعملية التدريسية بالجامعات. ولعل البديل لرأب هذا الخلل يكون في استقطاب طلاب دوليين متفوقين يُوزعون على الجامعات.

استقطاب الطلاب الدوليين وخصوصاً أولئك المتفوقين وإعطاؤهم فرصاً للدراسة في برامج البكالوريوس والدراسات العليا أعطى ثماره السياسية في دول كثيرة، على سبيل المثال أميركا وبريطانيا لديهما العديد من برامج المنح التعليمية التي تُخصص لطلابٍ دوليين يتم اختيارهم بشكل دقيق ويأتون من مناطق مختلفة في العالم، بحيث يكون للحكومة مصالح مباشرة وأخرى غير مباشرة في تلك المناطق، ولا شك أن مثل هذه البرامج لها أغراض سياسية بحتة موازية لغرض نشر العلم والمعرفة والثقافة.

وكثيرٌ من هؤلاء الطلاب يعودون لبلدانهم وهم يحملون في أنفسهم "ولاءات طاهرة" للمكان وللسكان. إقليمياً يمكن أخذ إيران نموذجاً فهي تتخذ من هذه البرامج مجالاً لتسويق أغراضها السياسية والمذهبية، فهي رغم الحصار المفروض عليها منذ سنوات طويلة، إلا أنها عمدت لاستقطاب مجموعة كبيرة من الطلاب الدوليين وتقدم لهم بسخاءٍ كبيرٍ منحاً دراسية كاملة ليس فقط في المجالات الدينية ولكن حتى في مجالات الطب والهندسة والعلوم، وهي بذلك تكسب احترام حكومات هذه الدول، وعلى أسوأ تقدير تكسب ود وولاء هؤلاء الطلاب على المدى البعيد.

طبعاً لا يمكن أن ننكر أن المملكة لديها تجربة رائدة في استقطاب الطلاب الدوليين، وذلك في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولكن الجامعة الإسلامية اقتصرت رؤيتها فقط في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها وتدريس الشريعة وعلوم القرآن والحديث والتفسير، وبالتالي اقتصرت المنح على هذه الفروع فقط. وكثيرٌ من الطلاب الذين درسوا بالجامعة الإسلامية لديهم ولاءات طاهرة للمملكة ولأهلها.

حديثاً تم إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا وهي جامعة تشرف عليها وزارة البترول وشركة أرامكو وتستقطب الطلاب المتميزين من أرجاء العالم وبشروط دقيقة جداً. لكن السؤال.. ماذا عن بقية الجامعات الأخرى خصوصاً في ظل ابتعاث المتفوقين من الطلاب السعوديين؟

هناك ما لا يقل عن تسعة ملايين عامل أجنبي يعمل في المملكة، وقد يتشكل لدى بعضهم حب وولاء للمكان بعد عودتهم إلى بلدانهم (غير الحب المقدس لمكة والمدينة). لو قامت الدولة مثلاً وخصصت جزءاً يسيراً من عوائد التأشيرات والإقامات وأنشأت صندوقاً للمنح الدراسية، وقدمت منحاً دراسية لما نسبته 0.001٪ من العدد الإجمالي للعمالة بالمملكة، سنجد أن هناك 9 آلاف منحة دراسية، وهذا عدد ممتاز جداً.

وتتولى وزارة التعليم إدارة هذه المنح عن طريق الملحقيات الثقافية بشروطٍ وضوابطَ معينة. في اعتقادي الشخصي أن الاهتمام بمثل هذه التوجهات له فوائد كثيرة، أهمها خلق ولاءات طاهرة للمكان وارتباطات عاطفية بالناس من أناسٍ هم الصفوة في بلادهم، وأيضاً الاستفادة من ذلك في خلق أجواء تنافسية داخل الجامعات السعودية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.