المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بكر دريد حسن العبيدي Headshot

الموصل وعودة الروح من بين الركام

تم النشر: تم التحديث:

ترددت كثيراً قبل الذهاب إلى هذه المدينة التي خرجت عن العالم لعدة سنوات، وكان لديّ في نفس الوقت فضول كبير لخوض المغامرة للوصول إلى أزقة تلك المدينة؛ عبر الطرق التي مرت فوقها جحافل مختلف صنوف القوات العراقية، التي وجدناها مرابطة على طول الطريق وعلى كل أرض نينوى.

بدايةً كان وقت خروجنا من بغداد في الحادية عشرة صباحاً تقريباً، مررنا بعدة مدن وسيطرات وكلها كانت ميسرة وسلسة وسهلة التعامل، وكانت أولى الصدمات عندما مررنا في مدينة "بيجي"؛ حيث خلت المدينة من أي ملامح للحياة، وبدت وكأنها تشكو لعابري سبيلها هجر أهلها قسراً.

أكملنا طريقنا في سيارتنا "الجارجر"، تناولنا الغداء في مطعم "القلعة" على الطريق الدولي، وقد حاولنا أنا وزميلي مروان الجبوري الأكل بأقصى سرعة، بسبب قلقنا لأن هذه المطاعم عادة ما تكون هدفاً سهلاً للإرهاب، وقد حصل ذلك بالفعل بعد أن عُدنا إلى بغداد، فقد دخلت انتحارية للمطعم المقابل، وقتلت وجرحت أكثر من سبعين مدنياً وعسكرياً.

بعدها استمررنا بالتقدم نحو الموصل حتى غلبني النعاس، وعبرنا عدة سيطرات وحواجز أمنية وأنا نائم على طول المقعد الخلفي، كان دخولنا للمدينة عبر الجانب الأيمن من ثم إلى الأيسر، وقد مررنا بطريق يسمى لواء العقرب لوجود مقر للواء في أحد جنباته المترامية، وعلى تخوم المدينة عمد داعش إلى تخريب الشارع الرئيسي لمسافة عشرين كيلومتراً تقريباً، مما جعلنا نقضي هذه المسافة في ساعة ونصف.

ولجنا بكل انسيابية ودون تفتيش يذكر عبر منطقة المنصور؛ مروراً بوادي حجر وهي مناطق ذات طابع شعبي بحت، معالم الدمار بدأت تلوح في الأفق، فبدأت أعداد الناس تقل، والحركة تخبو كلما اتجهنا نحو المدينة القديمة، حتى ابيضّ كل شيء من حولنا في شارع الدواسة، واختفت كل الألوان واختلطت الجدران بالجدران، دمار هائل وأسماء مناطق تطرق مسامعي، كنت أتمنى رؤيتها قبل هذا العبث الذي أصاب المدينة.

كل هذا الطريق داخل المدينة لم توقفنا أي سيطرة سوى في المدخل؛ هي ومن قبلها كان تعاملهم بمهنية عالية، رغم شدة الحرارة والمناطق الخالية والصحراء القاسية، عبرنا نحو الجانب الأيسر بواسطة جسر من صنع القوات العراقية، عرضه بعرض سيارة واحدة، وكانت تشرف عليه قوات الشرطة الاتحادية، والتي بذل جنودها مجهوداً كبيراً في تحريك السير ومحاولة منع تكدس السيارات على طرفي الجسر.

عبرنا دون أي موافقات أو تصريح أمني حتى وصلنا الجانب الآخر بعد انتظار حوالي ثلث ساعة، ومن ثم قابلنا نصف الكسوف المنير، الوجه المشرق للموصل أو الجانب الأيسر الذي ينظر بحسرة إلى أخيه الأيمن، وهو يراه مليئاً بالجراح، فيبسط له ذراعه محاولاً انتشاله من وسط الركام.

وصلنا إلى الفندق الوحيد فوجدناه ممتلئاً ولا توجد فيه أي حجوزات، حتى وصل إلينا العزيز علي زكريا، الذي أقسم ألا نبيت إلا في داره، وكان بيته عامراً بكرم الأخلاق والطيب والترحاب.

ومن أول يوم أخذنا في جولة بسيارته نحو شارع المثنى وحي الزهور، بعد أن عبرنا نهر الخوصر، فوجدنا كيف يتنفس الناس الحياة، فتبدلت النظرة الأولى وتبددت، فهاهنا صوت المغنية شيرين وهناك أم كلثوم، ومحلات براقة بالأراكيل وبأحدث انواع الهواتف المحمولة، تناولنا العشاء في أشهر مطاعم المدينة، وهو "سيدتي الجميلة" مع أكلات موصلية لها طعم آخر، من ثم جلسنا في أحد المقاهي بشارع الزهور، تسامرنا وتمازحنا مع رشفات شاي ساخنة حتى منتصف الليل.

كان هذا يومنا الأول قضيناه بين قلق وتعب الطريق، وبين مأساة الصورة وظلمتها في الأيمن، وبين عودة الحياة وبث التفاؤل من الأيسر.. نكمل يومنا الثاني في مقال آخر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.