المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

باهر عطية شهاب الدين  Headshot

اهدأ.. لن أختلف

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى المرات دعاني صديق لي لحضور محاضرة لأحد المفكرين الذين يُجلهم، فذهبت بصحبته، جلست للاستماع لأحد الدعاة الذي قُدم إلينا على أنه إحدى العلامات الموجودة على الساحة، بدأ الموضوع بكلام أن الاختلاط مصدر كثير من الشرور والفتن، وتدرج الكلام إلى أن الحل الأمثل هو أن تدرس الفتاة إلى المرحلة الإعدادية وتحفظ القرآن الكريم ثم تتزوج وتلزم البيت!

حينها وسعت عيناي وقلت في نفسي فلأكتفِ بهذا القدر وأرحل في هدوء عن هذا العالم الموازي في الفكر، ولكن شيئاً ما بداخلي دعاني إلى أن أنتظر غير صديقي لأتعمق أكثر فيما يحوي هذا العقل ودوافعه لهذا الخوض، وهادنت نفسي فقلت: لا بدَّ أن الرجل لديه وجهة نظر في ذلك، فلنكمل الدرس ولا ننصرف، فبادر الشباب الجالس بالنقاش:

- لماذا لا تكمل الفتاة تعليمها الثانوي وتلتحق بالجامعة وتحفظ كتاب الله فتصبح الزوجة الطبيبة والزوجة المهندسة والزوجة المعلمة الحافظات لكتاب الله أيضاً؟
* أصلاً معظم الطبيبات فاشلات، عمرك سمعت عن طبيبة ماهرة!
- إذا كانت المشكلة في الاختلاط فلمَ لا نقترح الفصل التام بين الجنسين في المدارس والجامعات؟
* لا تفسد المرأة إلا المرأة!
- ولكن المرأة استعملها عمر -رضي الله عنه- في القيام بالقضاء في السوق، أليس لها حق التعلم والتوسع إن أرادت؟
* من أين تأتي بهذا الكلام؟! أليس من المناهج الدراسية؟ أنا هنا لأعلمك صحيح الفكر والدين!

وبعد نقاش على هذه الشاكلة من الأسئلة البديهية والأجوبة المؤذية نفسياً، لم يجد الرجل مفراً من قول إنه هنا اليوم ليعرض وجهة نظر ليست ملزمة!

القصد هنا ليس صبيانية تلك النظرة المهينة التي اختصرت المرأة في شيء، أشد ما لفتني وآذاني ما لمست من احتكار الحق والفكر الصائب عند العرض، هذا المسكين وضع نفسه في موضع الإحراج لما أخذ مجلسه على الكرسي وأنصت الناس إليه أنه المفكر أو الداعية الذي يدعو إلى الله على بصيرة، فحينما ذهب التبصر في الكلام وانحرف الفكر إلى الفكر الاحتكاري وعلت الأنا في الكلام (أنا هنا لأعلمك صحيح الفكر والدين!)، علت الأصوات على العالم فاضطر إلى أن يخفض صوته ويخرج من دائرة الإلزام النابع من تعليمه للدين إلى رحب: "هذه مجرد وجهة نظر يا بني، إن شئت أخذت بها وإن شئت فلا"، هنا فقط شعر الجالسون بالانتصار، وأنهم صاروا علماء أيضاً، وما جعل الأصوات تعلو على العلّامة فضلاً عن عبقرية المعروض هو جوهر الموضوع، الاحتكار وعرض كل فكر على أنه ملزم ومجلب للنفع، أما ما دون ذلك فيصعب أو فلا!

وهذه صورة من أسوأ صور التعصب الفكري التي تودي بالعلاقات البشرية وترابط المجتمعات على مدى الأزمنة، الغفلة عن قوله "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" أودت بثقافة التقبل والاختلاف التي يدور حولها الموضوع!

الأشد فتكاً وإيلاماً للطرح الفكري والإثراء الذي يأتي به، أن يعرض العارض فكره ولا يضع في موازينه أنه قد يشوبه جهل أو ضبابية في زاوية الرؤية، ولهذا يمكن أن يَفسد ما يقدمه أصلاً، ويظل يردد ما قد أحاطه سنوناً ويلقنه أجيالاً دون أن يتوقف مرة واحدة ليسمع صوتاً هنا أو هناك يطالبه بإعادة النظر فيما يعرض، ويسارع إلى تصنيف من يخبره أن يعيد النظر بأنه مدفوع أو مأجور لهدم الثوابت، وأسهل ما يمكن أن يفعل هو الخوض في سرائر الغير، ولم لا يفعل وهو الذي لا يخطئ! وكيف يخطئ وهو المتبلد ذهنياً، المستمتع بما ينتج عن بؤس فكره، ولكنه الكبر، ذلك المكابر الذي بداخله أبى أن يمهد درباً لعقله سيقوده بلا ريب لعظيم وظائفه، أخفى ويا للأسى من أدوات منهجه "أفلا يتدبرون" فأفرز لنا مزيداً من المطلقية في عرض وجهات النظر، وتلكم والله لهي قاصمة الاختلاف وناشرة الخلاف!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.