المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

فساد القضاء المصري ونهاية الدولة

تم النشر: تم التحديث:

حينما خطَّ الراحل عبد الرحمن الأبنودي قصيدته الرائعة "ضحكة المساجين" وصف طائفة القضاة بـ"مش بتوع الصدق في الموازين" وهو ما اتضح صدقه جلياً أمام القاصي والداني، فلا يكاد يمر يوم علينا في مصر إلا وقد حكم قاضٍ بالإعدام على بعض الأبرياء هنا وحكم آخر بالسجن المشدد على بعض الأبرياء هناك، ربما لا يربط المحكوم عليهم رباط واحد اللهم إلا معارضتهم السياسية للنظام العسكري الجاثم على صدور المصريين منذ خمسينيات القرن الماضي، فجميع المحكوم عليهم أبرياء لم يجرموا قط، على العكس تماماً فأحكام البراءة سابقة التجهيز حاضرة لجميع مَن أجرم بحق الشعب بقرار أيضاً من فوق نفس منصات القضاء الذي صار قدراً على المصريين يتمنّون من الله ردّه لا اللطف فيه.

فهذا القضاء الذي نال الكثير من التنكيل طوال سنوات حكم العسكر لمصر لم يجد مَن يقف بجانبه دائماً وأبداً سوى معارضي هذا النظام العسكري من ثوار يناير/كانون الثاني الذي يُنكّل هو بهم الآن، حتى إنَّ بعض مَن صدرت بحقهم أحكام بالسجن سبق أن تم توقيفهم واعتقالهم أثناء حكم مبارك لمصر لا لشيء سوى وقوفهم بجانب القضاة في أزمتهم الشهيرة آنذاك، حينما وقفوا إلى جوارهم كتفاً بكتف، رافعين شعارات التأييد والنصرة كشعارهم الشهير "إن في مصر قضاة لا يخشون إلا الله"، ولعلهم الآن في زنازينهم يتذكرون تلك الأيام والوقفات وقد أدركوا أن في مصر قضاة لا يخشون حتى الله.

وعلى الرغم من وصف القضاة لأنفسهم بأنهم ظلال لله على الأرض "والبينة على من ادعى"، حاشا لله أن يكون أمثال هؤلاء ظلاً له جلَّ في علاه فأي إله أبله هذا الذي يرتضي بأن يكون ظلّه على الأرض لمن يقدم فروض الولاء والطاعة لسلطان طاغٍ وعسكره ومباحث أمن دولته الفشلة الأوغاد، أي إله أحمق هذا الذي يقبل طواعيةً بأن يمنح ظله لحفنة من قطاع الطرق المتورطين في وقائع فساد يشيب لها الولدان ما بين ضلوع في قضايا رِشى مالية وجنسية واستغلال نفوذ وتعدّ على أراضي وممتلكات الدولة واتجار في المخدرات واغتصاب وابتزاز، حتى إن أفاضلهم ومن تم نعتهم بالشرفاء وبناء عليه تم إسناد المناصب القيادية لهم إبان ثورة يناير المجيدة إنما هم في حقيقة الأمر أقلهم فساداً وانتفعوا كغيرهم من فساد هذه المؤسسة، التي أغدقت عليهم من أموال الشعب المنهوبة، وسمحت لهم بتعيين أبنائهم في سلك القضاء تحت بند أبناء العاملين، وكأنهم يحملون جينات العدل في حيواناتهم المنوية، فلا يخفى على أحد أن التعيين في القضاء يرتكز أولاً وأخيراً على التقارير الأمنية التي تصدر عن جهاز مباحث أمن الدولة، والتي تحدد مَن يتم قبوله ومَن يتم رفضه.

إلا أن بعض المتفائلين من أصحاب نظرية نصف الكوب المملوء يرون أن الفساد في المؤسسات القضائية قضية تتجاوز مصر وتتخطى الحدود الجغرافية متناسين تاريخ القضاء المصري الضارب في جذور التاريخ، وما موقف هذا القضاء من سجن يوسف عليه السلام عن ذاكرة التاريخ بخفيّ، وبذكرهم حديث سيد الخلق: "قاضيان في النار وقاض في الجنة"، أرى أنهم يتناولونه بشيء من السطحية إذا ما أخذنا في الاعتبار أغنية الرائعة شادية "أصله ما عدّاش على مصر"، فربما لو كان بيننا الآن رسول أو صالح أو على أقل التقدير شخص منصف لجزم بأن جميع قضاة مصر في النار بلا استثناء، وبالنظر إلى الوضع الراهن للقضاء المصري وللدولة المصرية يحضرني القول المأثور لابن خلدون: "فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدولة"، والحق بالحق يذكَر ها هو فساد القضاء المصري قد جاوز المدى وها هي الدولة المصرية تسير بسرعة الصاروخ نحو الهاوية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.