المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

حينما توضع الوطنية رهناً بين أقدام لاعبي الكرة

تم النشر: تم التحديث:

إنه لمن دواعي الأسف أن يصبح معيار الحكم على وطنية الفرد في مجتمعنا مرتبطاً بتشجيع منتخب كرة القدم، فعدم اكتراث البعض بتشجيعه أو حتى تشجيع منتخب آخر منافس كفيلان بنزع الوطنية عن فاعليها داخل بلادنا التي باتت تقبع في مؤخرة دول العالم الثالث بجدارة.

كرة القدم تلك البريئة التي تدفع بها الأنظمة الحاكمة والدول الاستعمارية إلى قفص الاتهام دائماً بمساعدة عشاقها المغلوب على أمرهم، هذه اللعبة التي احتلت قلوب وعقول المصريين يوم احتلال الإنكليز للقاهرة في الخميس الموافق الرابع عشر من شهر سبتمبر/أيلول عام 1882، حينما دخل جنود الاحتلال الإنكليزي مصر يحملون في أيديهم السلاح، وفي حقائبهم كرة القدم التي انتقلت سريعاً من معسكراتهم إلى حواري وأزقة مصر؛ لتصبح حجر الأساس لتطبيعٍ ناعم بين المصريين وبين المحتل الإنكليزي، الذي ساعد على انتشار اللعبة ونشرها بين المصريين -كباراً وصغاراً- طالما ستشغلهم عن المطالبة بحقوقهم وبمستقبل أفضل لبلادهم واستقلالها وحريتها، فالمصريون كانوا مهيَّئين تماماً لاستقبال هذه اللعبة الجديدة.

وبمرور الزمن لم يتوقف استخدام كرة القدم في السياسة بداية من انطلاق أول بطولة محلية رسمية حملت اسم السلطان حسين كامل في عام 1917، وضمت إلى جانب الأندية المصرية أندية الحلفاء العسكرية، بما فيها أندية الاحتلال البريطاني، مروراً بإطلاق اسم الملك فاروق على نادي المختلط "الأكثر شعبية في ذلك الوقت"، حتى استغلال بريطانيا لكرة القدم في محاولة شرعنة الوجود الصهيوني في فلسطين، من خلال إرسال فريق النادي الأهلي المصري إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في الفترة من 28 أغسطس/آب وحتى 6 سبتمبر/أيلول من عام 1943، وخوضه 5 مباريات ودية، ثلاث منها أمام فريق بيتار تل أبيب "الذي كان يمثل العصابات الصهيونية"، واثنتان أمام نجوم أورشليم، وصولاً إلى الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 1952 وما أفرزه من نظام أمسك بتلابيب الحكم في البلاد طوال 64 عاماً، لم يتوانَ فيها عن اللعب بورقة كرة القدم مع كل إخفاق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.

هذا وقد أبدى انقلاب يوليو في أيامه الأولى اهتماماً شديداً بكرة القدم، ولكن على طريقته الخاصة، فلم يكن الاهتمام بكرة القدم من أجل واقعها ومستقبلها وقضاياها بقدر ما كان اهتماماً الغرض منه استخدام الكرة وشعبيتها للتسويق للنظام الجديد، وكان ذلك واضحاً تماماً في يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول عام 1952 حين تم حشد الجمهور المصري في ملعب كوبري القبة لحضور حفل افتتاح موسم كرة القدم بين منتخب القوات المسلحة ومنتخب أندية القاهرة، وقبل بدء المباراة قام اللواء محمد نجيب بجولة حول الملعب بسيارة مكشوفة لإلقاء التحية على الجماهير.

ورغبة في محو كل أثر للنظام الملكي تم استخدام اللعبة الشعبية الأولى لخلق حالة من الالتفاف حول النظام الجديد بسحق نادي "فاروق"، صاحب الشعبية العريضة، وتهيئة جميع الأجواء لزيادة شعبية غريمه التقليدي "الأهلي"، فلم ينقطع اسم الأهلي عن وسائل الإعلام المختلفة، ولم يتوانَ الجميع عن محاباته بقرارات إدارية أحياناً وتحكيمية أحياناً أخرى حتى طفا على السطح نوعية جديدة من المشجعين أرادها نظام يوليو، التي يطلق عليها "بيب بيب أهلي"، تصفق للنظام، ولا تكترث بسياساته طالما ظل الأهلي بطلاً للدوري ولو بقرارات سيادية.

وبتعاقب الرؤساء ظل استخدام كرة القدم سياسياً سمة الجميع بدءاً من زيارة عبد الناصر للنادي الأهلي عام 1956، ومنحه الرئاسة الشرفية للنادي، وتصريح منير حافظ الرجل، الثاني في مكتب عبد الناصر، مع مجلة صباح الخير بأن ناصر وأبناءه يشجعون الأهلي بجنون، وأن علامات الحزن كانت تظهر على الأسرة مع كل خسارة للأهلي "الذي فاز بغالبية البطولات في عهده"، أيضاً تأسيس جمال عبد الناصر لاستاد القاهرة عام 1958 وتسميته باستاد ناصر، وقد تم افتتاحه في الذكرى الثامنة لانقلاب يوليو، وتحديداً يوم 24 يوليو 1960 وكان الخطاب سياسياً بالدرجة الأولى تحدث خلاله عن تفوق مصر على الغرب ودحرها لكافة الأعداء، بالإضافة لاستطاعتها البناء وتعمير البلاد.

لم تختلف كثيراً أيام السادات عن سلفه فبرغم الظروف الاستثنائية التي عاشتها البلاد في سنوات حكم السادات من إعداد للحرب وخوضها ومن مشكلات اقتصادية عانت منها مصر، إلا أن السادات كان دائم التردد على النادي الأهلي بمصاحبة زوجته والإعلان عن تشجيعه وأسرته للنادي الأهلي.

وبطبيعة الحال لم يفوّت مبارك فرصة اللعب بورقة كرة القدم سياسياً ولِمَ لا وقد كان أكثر الرؤساء حضوراً للمباريات سواء المنتخب المصري أو النادي الأهلي، كما أنه نجح في استغلال فوز المنتخب ببطولات إفريقيا، ومَن منا لا يتذكر الهتاف الشهير لعلاء مبارك ولاعبي المنتخب: "زي ما قال الريس منتخب مصر كويس"، أضف إلى ذلك استعانته ببعض لاعبي كرة القدم في محاولة بائسة لمواجهة ثورة الشباب في يناير/كانون الثاني 2011.

وعلى الرغم من الفترة الزمنية القصيرة جداً للدكتور محمد مرسي في رئاسة مصر، فإنه سعى أيضاً لاستغلال كرة القدم في التقرب من الشعب من خلال تكريمه لمنتخب الشباب في قصر القبة بعد فوزه ببطولة إفريقيا للشباب، وهو مَن قام مِن قبل بالاستعانة ببعض نجوم كرة القدم في الترويج له قبيل انتخابات الرئاسة التي فاز بها.

وعند الانقلاب على مرسي قام السيسي أيضاً باستدعاء نفس اللاعبين الذين استخدمهم مبارك من قبل في يناير 2011، وعقب توليه الرئاسة وبعدما اشتد الأمر سوءاً قام باللعب بورقة نجم كرة القدم محمد صلاح الذي قام باستقباله بقصر الاتحادية، وأخيراً ها هو يحلم بالفوز ببطولة الأمم الإفريقية لتمرير بعض القرارات الاقتصادية الصعبة، ولمحاولة نسب أي إنجاز يعوض إخفاقاته الكارثية في ميادين السياسة والاقتصاد والأمن.

خلاصة القول: إن الملايين من أبناء الشعب المصري أصبحت كرة القدم بالنسبة لهم من أساسيات الحياة، وصارت تصحيحاً لأخطاء تاريخية لم يكونوا هم أصحابها، ولكنهم في المقابل كانوا وحدهم ضحاياها.. وغالباً ما كانت هذه الكرة هي القنبلة الوحيدة التي وجدها المصريون في أيديهم؛ ليفجروها في وجه كل من يكرهونه ويغضبون منه أو عليه.. باختصار كانت لهم الكرة دائماً الفرصة المناسبة والممكنة والضرورية لتصفية حساباتهم مع الدنيا والمجتمع والظروف، ولا يستطيع كائن مَن كان أن ينكر على المصريين ما يحبونه حد العشق،

غير أن إنكار الوطنية عن المخالفين لهم لهو الجنون بعينه، فالوطنية انتماء لمصر لا للنظام الحاكم وأدواته، ففريق كرة القدم لا يمثل الوطن إذا ما أخذنا في الاعتبار أن بعض الدول قد تستعين بلاعبين أجانب وتمنحهم جنسياتها بحثاً عن الفوز، والبعض الآخر يستعين بأجهزة فنية أجنبية خالصة من أجل الفوز أيضاً، ومن فرط الوطنية تجد أن اللاعبين يتقاضون أجوراً نظير مشاركاتهم مع منتخبات بلادهم، ناهيك عن اتخاذ الكرة كأداة لإلهاء الشعب الذي ربما لم يجد متنفساً آخر سواها؛ لذا فليلتزم الجميع الهدوء، مشجعاً كان للمنتخب أو رافضاً لتشجيعه، فلن يصبح مشجعوه فاقدي الأهلية، ولن توضع وطنية من لا يشجعه رهناً بين أقدام لاعبي كرة القدم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.