المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

إحياء ذكرى الثورة من داخل المعتقل وخارجه

تم النشر: تم التحديث:

"وديتوا الشعب فين يا حازم؟!" سؤال استنكاري وجَّهه الفنان خالد زكي للفنان لطفي لبيب، في المشهد الشهير من فيلم "طباخ الريس"؛ حيث كانت شوارع وميادين القاهرة خالية تماماً من المواطنين على غير المعتاد، وهو المشهد الذي بدا متجسداً على أرض الواقع في الأيام القليلة الماضية بحلول الذكرى السادسة لثورة يناير العظيمة، تلك الذكرى التي مرت مرور الكرام، كما كان يتمنى النظام العسكري الحاكم للبلاد.

وعلى غير المعتاد لم يكن الأمر مثيراً لتعجب الكثيرين بعدما رأوا ما رأوه في آخر دعوة للتظاهر، التي وافقت الحادي عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ حيث الشوارع الخاوية والسيولة المرورية لا تعرفها ميادين مصر سوى في أيام العطلات الرسمية، أرجع البعض الأمر إلى تفضيل المواطنين قضاء هذا اليوم مع عائلاتهم في المنازل كسراً لروتين العمل اليومي، فيما رأى البعض الآخر أن المواطنين قد آثروا السلامة بعدم النزول من المنازل، خوفاً من التعرض للتوقيف العشوائي من قِبل الأمن، الذي يتم عادة في مثل هذه المناسبات، فيما رأت وجهة نظر ثالثة أن في عدم النزول قرراً جمعياً من شباب الثورة بالعزوف عن النزول إلى الشوارع نتيجة لحالة التشتت والتمزق التي يعاني منها الصف الثوري منذ سنوات، وما تبعها من صورة ضبابية للمشهد جعلت من الحكمة التريث قليلاً، وإعادة الحسابات انتظاراً لإعادة توحيد الصفوف من جديد، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي للمواطن المصري الذي بدا وكأنه هو الآخر مشتتاً بين مكونات صف الثورة الذي أصابه الاعوجاج والتمزق.

إذاً نحن بصدد الكثير من التكهنات الدائرة حول ماهية السبب الحقيقي الذي يقف وراء عزوف جموع الشعب المصري عن النزول إلى الشوارع والميادين في الذكرى السادسة لثورة يناير، على عكس ما اعتدناه جميعاً في الذكرى الأولى والثانية أو حتى في الذكرى الثالثة، التي جاءت عقب الانقلاب العسكري المشؤوم، تلك الثورة التي يعتبرها الملايين من الشباب سبباً مباشراً في تأجيج مشاعر الانتماء للوطن، والتي كانت حاضرة بكل قوة في إجابته عن أي سؤال يتناول انتماءه للبلاد بإجابة واحدة هي: أنا مصري، أما اليوم وبعد ما عانت الثورة ويلات التشتت والتمزق وانقضاض قوى الثورة المضادة على مكتسباتها إذا ما قررت إعادة نفس السؤال على مسامعه سيجيبك بكل حسرة: "أنا مش عارفني.. أنا تُهت مني.. أنا مش أنا!".

هذا هو الحال خارج أسوار المعتقلات، وقد يعتقد البعض أن الوضع في الداخل لن يختلف كثيراً عن الخارج إن لم يكن أسوأ، إلا أن ما عايشته داخل أسوار المعتقل يختلف شكلاً وموضوعاً عن الحال خارجه، فقد كتبت لي الأقدار الوجود داخل أسوار سجن برج العرب، أثناء مرور الذكرى الخامسة للثورة، وحقيقة لم تكن ذكرى أيام الثورة في الداخل أياماً عادية، فكم اهتزت أسوار السجن من هتافات المعتقلين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وكم لان الحديد للهتاف بسقوط الحكم العسكري الجائر بشرطته وقضائه وأمنه الوطني.

لم ينقطع الهتاف طوال ثمانية عشر يوماً من جميع الزنازين بمختلف عنابر السجن، ولم تنقطع الكلمات والأغاني الثورية، التي كانت بمثابة شعاع النور الذي يضيء ليل السجن المعتم، كان الترقب مسيطراً على الجميع أثناء متابعة ما يدور في الخارج من فعاليات ثورية قليلة من خلال مذياع صغير لا يحوي سوى بضع إذاعات لا يلتقط إشاراتها الضعيفة جيداً، كان الجميع على قلب رجل واحد، وإن اختلفت الأيديولوجيات، فالانتماء الأقوى كان للثورة التي جمع المعتقل شتات أبنائها، فالحلقات النقاشية مستمرة، وتذكر الشهداء حاضر على ألسنة الجميع، والبحث عن الأخطاء السابقة وسبل حلها للخروج من الأزمة هدف وضعه الجميع نصب أعينهم، صدقاً لقد كان خير إحياء لذكرى ثورة اعتقد الجلاد نجاحه في قتل روحها، وتجفيف منابعها داخل العقول، فازدادت قوة وبأساً داخل أسوار المعتقل العالية.

فهل تنتقل حمى الثورة من داخل المعتقلات إلى الخارج؟ وهل ينجح الصف الثوري خارج المعتقلات في الاتحاد مقتدياً بالثوار داخل المعتقلات؟ وهل يُعلي الصف الثوري خارج المعتقلات مصلحة الثورة فوق المصالح الضيقة؟ أسئلة بحاجة إلى تجرد من الجميع ووقفة مع النفس حتى نستطيع جميعاً أن نصل إلى إجابات شافية ننجح بها في تضميد جراح الصف الثوري، وإعادة ترميمه بالشكل الذي يضمن لنا ألا تكون الذكرى السابعة للثورة مختلفة تماماً عن ذكراها السادسة التي لم ترتقِ حتى إلى ذكرى متوفى عزيز علينا، للأسف الشديد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.