المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

المؤسسة العسكرية المصرية والتضحية بالرأس حتى يحيا الجسد

تم النشر: تم التحديث:

لم يعد يخفى على أحد من متابعي المشهد السياسي المصري أن العد التنازلي لإنهاء حكم عبد الفتاح السيسي لمصر بات وشيكاً، فعلى يديه ازدادت وتيرة تردي الأوضاع في البلاد على الأصعدة كافة والتي بدأت منذ استيلاء القوات المسلحة على السلطة في البلاد منذ 64 عاماً، غير أن حرص وتمسك الجيش بالسلطة ربما قد يدفعانه لخلع السيسي وفقاً للاستراتيجية الشهيرة التي ابتدعها أحمد حلمي في فيلم "جعلتني مجرماً": "كُل نفسك قبل ما حد ياكلك"، وهي الاستراتيجية التي يتبعها الجيش طوال العقود التي حكم فيها مصر، والتي دائماً ما يتم استدعاؤها بالتخلص من رأس النظام والتضحية به خشية انتزاع الشعب للسلطة واجتثاث حكم المؤسسة العسكرية من جذوره، وربما من المصادفات العجيبة أن التخلص من رأس النظام يتزامن مع وصوله لأعلى درجات الغرور والكبر.

فعلى سبيل المثال، لم يتردد تنظيم الضباط الأحرار في عزل محمد نجيب الرئيس الأول للجمهورية بعد انقلاب يوليو/تموز 1952؛ بل وتحديد إقامته؛ وذلك حينما حاول تقديم السلطة إلى الشعب وإبعاد الجيش عن السياسة. في هذا التوقيت، كان نجيب يرتكز على الشعب ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين، غير أن خذلانهم له ووضع أيديهم في يد عبد الناصر كان بمثابة إعطاء قبلة الحياة لاستمرار الحكم العسكري والقضاء على نجيب وأفكاره التي كانت تصبّ في تمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه.

بعد عزل نجيب، جاء جمال عبد الناصر واستمر تدهور أوضاع البلاد على يديه في الأصعدة كافة؛ فاحتُلت الأرض وساءت الأوضاع، ما فتح الباب لضرورة الخلاص منه حتى تستمر المؤسسة العسكرية في الحكم، وتشاء الأقدار أن يتم الخلاص من عبد الناصر مسموماً وهو في أوج غروره الذي ظهر جلياً في خطابات عامه الأخير كخطاب عيد العمال السادس، وعيد الثورة السابع عشر وحديثه عن قوة وقدرات القوات المسلحة وارتفاع الروح المعنوية رغم النكسة والهجوم على معارضيه، وتجسّد غروره في مذبحة القضاة التي ارتكبها في العام ذاته.

رحل عبد الناصر وحلّ محله أنور السادات، ومع سياساته الاقتصادية الخاطئة ازداد الفقير فقراً، في حين نجح البعض الآخر في تكوين طبقة أخرى وصلت إلى مستوى فاحش من الغنى، وتدهورت الأوضاع السياسية والاجتماعية، وثار الشعب على قراراته الاقتصادية، وحينما لاحت في الأفق بوادر ازدياد الرفض الشعبي لحكم السادات تم اغتياله في أثناء العرض العسكري في ذكرى أكتوبر/تشرين الأول 1981 وبواسطة ضباط من داخل الجيش، بعدما أوحى له غروره بإجراءات تعديلات دستورية تسمح له بالبقاء في سدة الحكم مدة زمنية غير محددة النهاية.

وبرحيل السادات، جاء نائبه محمد حسني مبارك مستهلّاً ماراثونه الرئاسي بوعود وشعارات لم يتحقق منها شيء على الرغم من اعتلائه عرش مصر 30 عاماً كاملة، ازدادت الأوضاع فيها تدهوراً والفساد توحشاً عن ذي قبل. وعلى الرغم من تزوير الانتخابات، وحينما قامت القوى المعارضة بتشكيل برلمان موازٍ، خرج مبارك في نرجسية اعتادها الجميع منه مُطلِقاً تصريحه الشهير "خليهم يتسلوا"، حينئذ أمسك الشباب بزمام المبادرة بالخروج ضده في ثورة فاجأت قادة الجيش ووضعتهم موضع "رد الفعل"، ما دعاهم للتخلي عنه ولو بصفة شكلية والتفرغ لإدارة الثورة المضادة لاستعادة السلطة التي بدت في طريقها للضياع من تحت أرجلهم، وهو ما نجحوا في الوصول إليه بعد وصول الدكتور محمد مرسي إلى قصر الاتحادية رئيساً للبلاد وما تم من إجراءات عزله وإيداعه المعتقل في الوقت الذي كان الغرور قد أصاب أبناء جماعته والذي تمثّل في معاداتهم للجميع، مرددين هتافات بلهاء من نوعية "موتوا بغيظكم" والرد على استنكار الجميع لأفعالهم بأنهم سيمكثون في الحكم "سبع سنين ومكملين".

وها هو السيسي يمضي بالبلاد سريعاً نحو الهاوية أسرع من سابقيه، بلا وعي ولا إدراك ولا فهم، مطلّاً علينا بضحكة بلهاء جعلت منه ومن مصر وشعبها أضحوكة العالم والمادة الإعلامية الدسمة لجميع البرامج والأقلام الساخرة. ومع انطلاق الدعوات "مجهولة المصدر" للتظاهر والثورة ضده، يخرج علينا بالنرجسية نفسها والغرور والكبر التي تملكت جميع من سبقه من العسكريين بحزمةٍ من القرارات المؤلمة للشعب، كأنه يُخرج للشعب لسانه متحدياً إياه، غير عابئ بنهاية جميع من سبقه من أبناء مؤسسته المُمسِكة بتلابيب الحكم في البلاد طوال 64 عاماً، والتي تسحق بكل قسوةٍ جميع من يقف أمام شهوتها في السلطة حتى لو كان من أبنائها، ولو كلفها ذلك التضحية برأس المنظومة حتى يحيا جسدها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.