المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

المصالحة الفلسطينية في ميزان علاقة العسكر والإخوان

تم النشر: تم التحديث:

أصبحت علامة التعجب شعاراً للمرحلة ملقيةً بظلالها على وجه المواطن المصري تعقيباً على ما تبع المصالحة الفلسطينية الأخيرة من تغيير في نبرة الخطاب الرسمي والإعلامي المصري تجاه حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بعد سنوات من الهجوم الضاري والشيطنة غير المسبوقة للحركة وقادتها تزامناً مع نصب المحاكمات للرئيس المعزول محمد مرسي وبعض معاونيه بتهمة التخابر مع حماس.

غير أن المؤسف في الأمر هو الهجوم غير المبرر الذي شنّه بعض أتباع جماعة الإخوان المسلمين على الحركة ورموزها لما اعتبروه مهادنة للنظام الذي قام بالتنكيل بهم في مصر واستباح دماءهم، حتى إن بعضهم أخذته الحميّة فبات ينعتهم بأوصاف لم يصفها لأعدائه من قبل قط.

ربما وقف وراء هجومهم هذا عجز شديد عن إدراك ما أدركه الحمساويون بأن الخسارة في المعارك السياسية تعني الموت؛ حيث لا مجال للتعويض فيها على العكس تماماً من المعارك الحربية التي قد تتيح للخاسر فرصة أخرى لتعويض خسارته، فقد كان بمقدور حماس رفض المُضي قدماً في سبيل إتمام تلك المصالحة التي دفعوا إليها دفعاً لتصحيح خطأ تأخر أحد عشر عاماً، وتحديداً منذ وقوع الحركة في فخ الانتخابات التشريعية لعام 2006 والفوز بها وتشكيل الحكومة، مروراً بالانقسام الذي حدث في صيف عام 2007 ونشأ على أثره سلطتان سياسيتان وتنفيذيتان وما تبعها من صراع كبّد الصف الفلسطيني من دمائه ووحدته الكثير، إضافة إلى ما آلت إليه الأوضاع في غزة تحت حكم الحركة من سيئ إلى أسوأ في كافة مناحي الحياة التي كادت تندثر فيها بفعل الحصار والبطالة والدمار.

ويحسب لقادة حركة حماس إدراكهم التام بأن التعنت في إتمام تلك المصالحة خطأ لن تقل فداحته عن خطيئة خوضهم للانتخابات التشريعية، وإن فعلوه ورفضوا المصالحة لكان هذا كفيلاً بدفعهم نحو تكرار سيناريو إخوان مصر في عام 2013 حينما أهدرت الجماعة فرصاً من ذهب لتفادي الخسائر الضخمة التي تكبّدتها قواعد الجماعة من دمائهم وحرياتهم، غير أن وجود أكثر من ربان لسفينة الإخوان كان سبباً رئيسياً ومباشراً للتعجيل بهلاكها وغرق مَن عليها اللهمّ إلا مِن بعض أصحاب الأصوات الحنجورية القاطنة لندن وإسطنبول والتي لا تحمل بجانب تصريحاتها العنترية أي رؤى أو خطط مستقبلية لإدارة الصراع على أرض الواقع.

ولعل التصريح الأخير للسيد إبراهيم منير، القيادي البارز بإحدى جبهتي الجماعة المنقسمة على نفسها، والذي يقول فيه: "سنسقط الانقلاب بأي تكاليف وتضحيات" لهو خير مثال على الطريقة التي تدار بها الأزمة المصرية من قِبل أرباب المعاشات بالجماعة التي تتباهى دوماً بتنظيمها "غير المنظم"، ومن دواعي الأسف لهذه الحقبة شديدة التعقيد أننا وإن كنا ننتقد في السابق تحريك القيادة السابقة للجماعة كالعروسة الماريونيت، فإن الأزمة الأخيرة ألقت بخيوط اللعبة في يد قيادة تمتلك من السذاجة والبلاهة ما كان بالقدر الكافي لتسليم العروسة الماريونيت "العجوز" إلى مخابرات بعض الدول العظمى التي باتت تحركها كيفما تشاء لخدمة مصالحها، فلا يخفى على أحد اللقاءات المتكررة بين منير والمخابرات الإنكليزية وكذا رحلات الحج والعمرة التي يقوم بها قادة التنظيم في الخارج إلى الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا بدون طائل يذكر، في الوقت الذي تستفيد فيه أنظمة هذه الدول من هذه الزيارات وتسارع بالتلويح إلى النظام العسكري المصري بورقة التراجع عن وضع جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الكيانات الإرهابية، ما يدفع النظام المصري لعقد صفقات شراء أسلحة ومعدات بمليارات الدولارات مقابل غضّ الطرف عن جرائمهم وانتهاكاتهم المتتالية بحق الإنسان المصري المغلوب على أمره.

لذا أصبح من العار ما يكفي أن يقوم مجموعة من مدمني الفشل بمهاجمة حماس اليوم على قرارهم السياسي الصائب، وهم من فشلوا سياسياً بالأمس القريب في إدارة معركتهم مع الانقلاب العسكري بعد أن نجحوا وبجدارة في إفشال ثورة بأكملها، ودعونا نودع علامة التعجب قليلاً ونتوقف كثيراً أمام الموقف المصري الأخير تجاه حماس بمزيد من التعقل، وبالنظر إلى تاريخ تلك العلاقة الممتدة لعقود ماضية من الزمان بين العسكر والإخوان، سنجد أن الإخوان قد تصالحوا بالأمس مع جمال عبد الناصر بعد سنوات من القتل والاعتقالات والتشريد والتنكيل بهم "طالع حلقات برنامج مراجعات للدكتور عزام التميمي مع المرشد الشهيد محمد مهدي عاكف"، الأمر الذي تكرر بين الإخوان والسادات وهو مَن كان مِن قبل عضواً بهيئة محكمة الشعب التي أصدرت أحكاماً بالإعدام بحق بعض أعضاء جماعة الإخوان، بل إن مكتب إرشاد جماعة الإخوان هو مَن جاء بالجنرال عبد الفتاح السيسي نفسه وزيراً للدفاع وقامت أبواقهم الإعلامية ولجانهم على مواقع التواصل الاجتماعي بتلميعه إعلامياً وإظهاره في صورة البطل المغوار، أو كما قالوا "وزير دفاع بنكهة الثورة" حتى صارت له الشعبية التي استطاع من خلالها تنفيذ انقلابه عليهم تماماً كما كان الحال مع عبد الناصر من قبل.

خلاصة القول: إن من تصالح اليوم مع حماس بعد أن شيطنها بالأمس لن يمانع إطلاقاً في إتمام التصالح مع الإخوان، على الرغم مما فعله بهم من تنكيل وتخوين وشيطنة ووضع على قوائم الإرهاب، فالمصالحة ليست بعيدة عن الطرفين إذا ما وجدت الإرادة السياسية لها، ولكن يظل السؤال هل يوجد بداخل جماعة الإخوان اليوم مَن يمتلك القدرة على اتخاذ قرار سياسي كالذي اتخذته حركة حماس بالتراجع خطوتين للخلف أملاً في التقدم بعد ذلك خطوات وخطوات إلى الأمام؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.