المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر الدين عطية Headshot

القضية 108 عسكرية.. أوقِفوا إعدام الشباب

تم النشر: تم التحديث:

على الرغم مما ينص عليه دستور العسكر عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز صراحةً حول حق محاكمة المدنيين أمام قضاتهم الطبيعيين، وعدم جواز محاكمتهم أمام قضاء استثنائي أو عسكري، فإن الواقع يطل علينا بوجهه القبيح يومياً بأحكام عسكرية مغلظة تصل إلى حد الإعدامات بحق مئات المدنيين الأبرياء من المعتقلين على ذمة قضايا سياسية معارضة للنظام العسكري الحاكم في البلاد.

فمئات الأرواح تزهق بلا ذنب اقترفته، اللهم إلا إن اعتبر سوء القدر الذي جاء بهم في هذه البقعة الملوَّثة من الأرض ذنباً لا يغتفر، مئات الأرواح تُزهق بجرة قلم يخطها أحمق يرتدي زياً عسكرياً مدوناً في خانة عمله ببطاقة الهوية "قاضٍ عسكري"، مئات الأرواح تزهق بكلمات تصدر من شخص لا يمتلك القرار، فما هو إلا قطعة صغيرة تموت فداءً لملكها في رقعة شطرنج كارتونية، مئات الأرواح تزهق في إطار لعبة سياسية غير متكافئة، وبدلاً من أن يهبَّ الملايين للدفاع عنها يطنطن بضع عشرات للمتاجرة بها.

بالأمس القريب أصدرت المحكمة العسكرية بالإسكندرية حكماً ملوثاً بالإعدام بحق أربعة عشر متهماً سياسياً، وتأجيل النطق بالحكم بحق سبعة آخرين في القضية التي حملت رقم 108 عسكرية، ربما لم يكن هذا هو الحكم الأول من نوعه، وقطعاً لن يكون الأخير طالما ظل الوضع المذري الذي نحياه على ما هو عليه، فالمعتقلات تعج بالآلاف، والقضاة الفاسدون يحتلون منصات القضاء المدني والعسكري ويتوارثونها فاسداً من وراء فاسد.

ولعل من محاسن الصدف التي خطها القدر لي معرفتي بعددٍ من المعتقلين على ذمة تلك القضية عن قرب، بعضهم عن علاقات صداقة امتدت لسنوات طويلة والبعض الآخر جمعتنا زنزانة واحدة أثناء مروري بتجربة الاعتقال الأخيرة.

وعلى الرغم من اختلاف المناطق الجغرافية لجميع معتقلي تلك القضية وكذا اختلاف درجاتهم العلمية ومجالاتهم العملية، إلا أن الرابط الوحيد الذي يجمعهم هو الإيمان بالمعارضة السلمية للنظام، هذا على الجانب السياسي.

أما على الجوانب الشخصية فحدّث ولا حرج، فمن ذا الذي تعامل مع هذه الشخصيات النقية ولم يتذكرهم بالخير دائماً؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر مَن ذا الذي لا يتذكر الوجه البشوش للمهندس عاطف سعد الذي يمتلك من اسمه نصيباً وفيراً من قلب نابض محب للجميع وروح تشع حباً وعطفاً على جميع مَن هم حوله؟ ومَن مِن جميع نزلاء سجن برج العرب لا يتذكر الصوت الدافئ للكروان المعتقل عبد الله فتح الله وهو يشدو بأغنية موطني وغيرها من الأغنيات التي أحبها الجميع بصوته العذب؟ هذا الشاب الذي لا يحمل ضغينة لأحد يحبه الجميع قدر حبه لهم.

أما معاذ السقيلي أو أبو سلمى فلن توفّيه الكلمات حقه وهو الفنان المبدع في الرسم والنحت وإلقاء الشعر صاحب القفشات الرائعة والمشاكسات التي لا تنتهي، والعلاقات الإنسانية القوية التي تربطه بجميع شباب المعتقل، فيما تظل دندنة اليساري أحمد المغاوري بأغنيات أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام حاضرةً دائماً ملازمةً صورة وجهه الباسم دوماً ممتزجةً بصوت ضحكته الموسيقية ومزاحه مع جميع من حوله.

الجدير بالذكر أن هذا الرباعي النقي لا يزال منتظراً لسماع الأحكام الصادرة بحقه خلال الأيام القليلة القادمة من قِبل هذا العسكري الفاسد الفاشل الجالس فوق منصة من ورق، يطلق عليها كذباً منصة القضاء العسكري.

ثلاثة آخرون من معتقلي هذه القضية تمتد علاقة صداقتي بهم لسنوات وسنوات سابقة، ولكنهم من المحكوم عليهم بهتاناً وزوراً بالإعدام، أحدهم حكم عليه غيابياً لوجوده خارج البلاد، وهو الذي لم يحمل طوال حياته سلاحاً سوى الكاميرا، أما الثاني فهو عبد الرحمن محمد الذي تم اعتقاله بعد مرور أسبوعين فقط من أدائه الخدمة العسكرية الإلزامية في خدمة جنرالات القوات المسلحة، على الرغم من أن التهم المنسوبة للمتهمين في القضية مؤرخة أثناء وجوده بالجيش! والثالث هو بدر الجمل العريس الذي تم اختطافه ليلة عرسه فخلعوا عنه بدلة العرس واستبدلوها بالبدلة الحمراء من بعد البيضاء، بدر الشاب الطموح الهادئ الذي تجمعه علاقات المودة والحب بجميع مَن هم حوله كباقي أفراد عائلته الذين ربما لم يعرفوا عن المواد المفرقعة شكلاً اللهم إلا "بومب" رمضان.

وبعيداً عن هذا الكم من النقاء الذي يغلف شخصيات هؤلاء المسالمين نجد أن معطيات القضية نفسها تفضي إلى براءتهم براءةً لا لبس فيها، فأقل ما توصف به الاتهامات الموجهة لهم هي البلاهة، فيكفيك أن تعلم أولاً أن لائحة الاتهام الموجهة لجميع المتهمين بتلك القضية لم تحوِ قط مساساً أو وقوع أي جريمة بحق أي مؤسسة عسكرية، أو انتماء أي من المتهمين إلى أي منها ما يسقط جواز محاكمتهم أمام قضائها، وما يفضي إلى حكمها بعدم الاختصاص في نظر تلك القضية جملةً وموضوعاً، أضف إلى هذه التهم المنسوبة إلى هؤلاء الأبرياء، وهي زرع قنابل بشارع المشير المؤمَّن تأميناً شديداً، إضافة إلى زرع قنابل أمام مجموعة من الأقسام التي يعلم الجميع حجم تأمينها، والذي يصل إلى درجة بناء أسوار عازلة حولها بعشرات الأمتار، تلك الاتهامات التي ربما لن يستطيع القيام بها سوى مجموعة من الأشخاص الخارقين كسوبرمان أو كابتن أميركا أو حتى فرافيرو، كما أن الأحراز الموضوعة للمتهمين في القضية أثبت دفاعهم ملكيتها جميعاً للقوات المسلحة.

أضف إلى ذلك تهمة قتل عسكري مجند بالقوات المسلحة وهي التهمة الباطلة التي أثبت الطب الشرعي أن القتل تم بسلاح ميري، وهو ما ثبت أمام إحدى المحاكم التي نظرتها وقضت حينها بإخلاء سبيل أحد زملاء القتيل من المجندين، الذي اعترف بقتله عن طريق الخطأ.

هذا كله يدفعنا دفعاً نحو التساؤل عن مدى جدوى التنكيل بالشباب وإزهاق أرواحهم، ومَن المستفيد من وراء مثل هذه الأحكام التي تحمل عواراً قانونياً ودستورياً؟ وفي شرع مَن تزهق أرواحهم بلا رحمة أو عدل؟ وإلى متى يغض الجميع طرفه عن تلك الانتهاكات بدافع الخوف أو العجز أو عدم الاكتراث؟! ومتى سيستفيق المجتمع ويسعى جاهداً نحو إيقاف شلال الدماء الذي لم يتوقف منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز المشؤوم؟ ومتى ندفع بقوة نحو إيقاف عقوبة الإعدام البغيضة التي تخلصت منها كافة المجتمعات المتحضرة الحديثة إلا في أضيق الحدود المسموح بها؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.