المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدرة دحماني  Headshot

صدمات دولة الغربة‎

تم النشر: تم التحديث:

غ رب ة .. جرب أن تنطقها ولا تستعجل التلفظ بها!
تمعّن حروفها، نعم إنها الغربة بالأحرى "دولة الغربة "، انتفض عقلي فأعلن ثورة ضد هذه الدولة. أستميحكم عذرا إن كان جلّ ما أكتبه هنا عن الغربة يصيب الدماغ بالتشنج لكثرة سلبياتها لكنه الواقع فعلا .

يقال أن الغربة تعلمك الصبر والاتّكال على نفسك، كما تعلّمك روح البسالة في مواجهة كلّ التحديات ،هي كذلك حقا لكن هل تفعل بنا نفس الشيء في مضمون قيمنا وهويتنا ومبادئنا وتعاليم ديننا ؟ هل الغربة تشد حبل الوصال بكل ذلك ؟

شاءت الأقدار أن تقذف بي الحياة إلى الضفة المقابلة من المتوسط ، فعلى ضفاف بحر مرمرة كنت على موعد مع الغربة.

قبل أن أغادر الجزائر الشامخات الشاهقات (وطني) إلى بلاد الأناضول سعيا للعلم ، كنت قد أصبت بالصمم وطنين الأذن المستمر لهول ما سمعت عن دولة الغربة، حدثوني عن مساوئها النفسية وتقلباتها الفكرية و الإيديولوجية والمجتمعية وكان عليّ أن أعي أنه لا سند لي فيها إلاّ ربي .

لم أكن أكترث كثيرا لما سمعته لكن أول سنة لي في بلاد العثمانيين جعلتني أدرك ما كانوا يرمون إليه بقولهم، فقد قالوا من ضمن ما قالوه لي: " لك أن تجوعي وتمرضي وتخوضي كل معارك المعاناة والقهر فالغربة وطن الظلام حتى وإن أبلج شعاع النور" .
لكن الحقيقة أن أقسى المعارك والتحديات لم تكن الجوع والمرض بل كانت معركة الهوية والقيم والثبات على مكنوناتها.

في دروب الغربة تُسطّر حكايا المغتربين تفاصيل التفاصيل، حيث تعلو صيحات الفساد والانحلال والفتن ، في دروب الغربة تلتقي كل الحضارات والأديان والأعراق والألوان في دروب الغربة تتغير المظاهر والقيم والممارسات والعلاقات وتستباح حرمات النفس باسم الانفتاح بمنطق الغربة لا بمنطق التربية والأصالة .

كلنا يعلم أن هناك اختلافًا في الثقافات والمعايير القيمية بيننا كعرب ومسلمين وبين الغرب فلماذا دوما ننجرّ إلى قيمهم ونذوب في هويتهم، ما السوء في أن يحافظ كل امرئ وكل أسرة تغادر أرضها على أصالتها، ومواكبة الحياة وتطوراتها دون التنازل .

لطالما راودتني أسئلة أتعبت دماغي وأنا أراقب من حولي من الأصدقاء العرب وغير العرب الذين جمعتني بهم دولة الغربة. هناك من تغرب فأصبح يرتاد الحانات وهناك من كان يحافظ على صلواته في وقتها فلم يعد يعرف طريق المسجد اليوم، هناك من كانت الطهارة عنوان حياتها فأصبح فضولها يقودها إلى الأماكن المشبوهة ، كل ذلك يحدث على أرض الغربة ، إلا ما رحم ربي و قلة قليلة من تحصن غربتها بأخلاق دينها و بيئتها .

وكم يضيرني ويؤلم قلبي رؤيتي لأولئك القادمين من أرض تسمى "عربية " يدين جُلّ قاطنيها بدين سمح سمي من السلام "إسلاما " وهم يعبثون بهويتنا ويتقاذفونها هنا وهناك حتى صار العربي المسلم رمزا لما لا يسر والتبعية في كل شيء.

سألتني يوما صديقة أوروبية لماذا تتمسكون بالإسلام وقد نهاكم عن كل ما تأتون ،لماذا تقولن عن أنفسكم مسلمين إن كنتم لا تتبعونه في شيء .. فقدت لساني لهول هذا السؤال لأننا الأولى بأن نسأل أنفسنا هذا السؤال ونجيب عنه . فهمت فيما بعد أنها تحب الإسلام .
إنّ صدمات الغربة لا تتوقف، فأنا أذكر جيّدا واقعة شطرت روحي نصفين، فقد كان أحد الأصدقاء الذين عرفتهم في مكان ما من هذا العالم، قويّ الشخصية أو كذلك رأيته لي، لا جدال معه في قيم تربى عليها داخل أسرته ومجتمعه.
حتى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كانت تعبر عن شخص "نظيف" إن صحّت الكلمة، سافر إلى دولة الغربة فكانت ثلاث سنوات كافية لتصنع منه إنسانا غير ذلك الذي كان، فُقدَت ملامح النور الساطعة من حياته، غاص في مغرياتها، بهرته صاحبات التنانير القصيرة والعيون الملونة فأنسينه نفسه.
تلوّثت أذني يوم سمعته يقول أنّ مفهوم الصداقة بين الشاب والفتاة قد تغير لديه ليكتمل صمم أذناي حين نطق لسانه يقول وهو سعيد أنه لا مانع لديه أن يعيش مع فتيات تحت سقف بيت واحد وفعلا هو يتقاسم بيتا مع فتيات ومع من؟ مع أوروبيات حتى أنه صار يرتاد معهنّ أماكن لا تخلو من السُكر وقارورات الخمر، هنيئا لكم يا أباء ويا أمهات، لكما أن تسمحا لبناتكم بمقاسمة الشباب البيوت.

ليس عيبا أبدا أنه الانفتاح والحرية التي ساقتنا عبيدا لهم ولعيشهم . لعنتُ الغربة و لعنتُ الحياة برمتها حين سمعت ذلك، وأذكر جيدا رؤيته والغضب يكاد يُفجّر تعابير وجهه وكأن السموات أطبقن عليه، و بطُل عجبي من غضبه حين فهمت منه أن رحلتهم فرّقت بين الشباب والبنات، لكلّ حافلة خاصة، كان على الإدارة أن تجمعهم في حافلة واحدة حفاظا على مشاعره ومشاعر أمثاله لأنه يشعر بالغثيان حين يدير طرفه فيرى وجها مزينا بلحية إلى جانبه .ما هذا إلا مثال عن كثرة تعاني القيم والأخلاق و الدين منهم . 

في دولة الغربة يا سادة الانفتاح تحدّ للأصل قبل كل شيء، فما بين طالب اختار التغريب طواعية لنيل العلم فنال كل شيء إلا العلم، وما بين هارب من وطن ضاق به فضيّقها على نفسه خطّ مستقيم طوبى لمن حافظ على استقامته.

لنا الحق أن نكون سعداء في دولة الغربة ولنا أن نفعل ما نشاء فيها لكن ليس على حساب ما جُبلّت عليه شخصياتنا وربّتنا عليه أسرنا و أمرتنا به عقيدتنا ولتكن الغربة كما قال عنها الإمام الشافعي رحمة الله عليه :  "تفريج هم و اكتساب معيشة .. وعلم وآداب وصحبة ماجد".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.