المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدر البدر Headshot

رسالة قد لا تقرأها

تم النشر: تم التحديث:

ابني الشاب

أكتب لك وأنا أدرك أن احتمالية قراءتك لها بجدية ضعيفة في أحسن الأحوال.
فأنا أتصورك تتصورني كما تصورت أنا أبي عندما كنت في عمرك، كهلًا يعيش في الماضي، خياليًّا، مثاليًّا، بعيدًا عن الواقع، نجح لأن الحياة كانت سهلة في وقته.

ومع هذا فإنني لا أملك منع نفسي من العطف تجاهك حينما أراك تقع في مطبات كنت حذرتك منها، وفي مشكلات أنت في غنى عنها، وأراك تفوت على نفسك اختصارات في الطريق أعرفها، وأعلم تمامًا أنك تفضل أن تتعلم بنفسك من أخطائك كما تعلمت أنا من أخطائي، كما تعلمت أنت المشي في صغرك بأن تقف وتقع وتصدم بما أمامك.

تظن أنك حكيم، وإن كنت فعلًا عاقلًا نوعًا ما.
تظن الحياة سهلة، وهي فعلًا كانت لك كذلك.
تتوقع أن تعيش رغد الحياة دون جهد العمل، وهو ما كان لك من صغرك.
تظن أن والديك والمجتمع والدولة والعالم مدينون لك بالمساعدة وقتما تحتاجها، لمجرد أن اعتدت عليها من صغرك.
ترغب في الاستقلالية عند أي قرار ونصيحة مقابل اعتمادك ماديًّا ومعنويًّا على أسرتك.

ولكن الحقيقة مرة..

فزمانكم غير زماننا وهذا أنا وأنت ندركه..
فكما كان زماننا صعبًا شابته تحديات دولة ناشئة ثم طفرة اقتصادية تلاها سنوات من الركود، وتحديات فكرية سميت صحوة وحداثة، فإن زمانكم أيضًا لا تقل فيه التحديات صعوبة سواء الاقتصادية أو السياسية أو المجتمعية، بل ملعبكم أصبح أكثر عالمية وقدراتكم ومهاراتكم تنافسون بها دولًا واثبة مثل الهند والصين.

وأدرك أيضًا أن رحلتك شاقة فالخيارات كثيرة والمفارق في الطريق متعددة وأجزاء منه جربت أنت وعورتها. تشعر بأن الاختبار محير، اختيار الجامعة والتخصص والعمل، فاختيار واحد يسد الباب على الخيارات الأخرى، فهناك دائمًا السؤال: ماذا لو كنت اخترت الباب الآخر أما كان أفضل.

ولكن في عمري أنا فإنني أندم أكثر على فرصة لم أجربها أكثر من فرصة فشلت فيها، وفي المقابل استفدت بأن لم أترك طريقًا اخترته إلا بعد أن تأكد لي أفضلية غيره.

لذلك ركز واختر وثق بقرارك والتزم به، على الأقل إلى أن تستنفد الفائدة منه.

وقد تستغرب إن قلت لك أنه لا أرغب أن تكون نسخة مني ولا أقيمك مقارنة بنجاحي. فيهمني أن أراك ناجحًا بطريقتك الخاصة المنفردة. فخطواتك الطفولية وعثراتك كما نسيناها في أول حياتك، سننساها في شبابك عندما تتجاوزها.

أنا أدركت في هذا العمر أنه لا وجود للمثالية في عالمنا المكون من أفراد بعيدين عن الكمال. وكما تدرك أنت وأدرك أنا أنني لست أبًا مثاليًّا وأنت لست ابنا مثاليًّا. ولكن هذه الحقيقة لا تتعارض البتة مع حقيقة أنني فخور بك وأحبك..

وبقدر ما أرغب أن تشق طريقك بنفسك وتستقل بذاتك بقدر ما أطمح أن تبقى قريبًا، عضدًا مساندًا، وعضوًا فاعلًا في الأسرة والمجتمع..

كان توفيق الله حليفك...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.