المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عزام عبد الرحمن تلحمي Headshot

عرفات والسيناتورات في سبعينيات القرن الماضي: لقد أرسلوا المروحيات لاغتيالي

تم النشر: تم التحديث:

إنه اليوم الخامس والأخير في ولاية ساوث داكوتا في الوسط الشمالي للولايات المتحدة الأميركية، كل القصص التي سمعتها هنا في الأماكن التابعة للسكان الأصليين في الولايات المتحدة أو ما يعرف بـ"الرزيرفيشن" تتحدث عن الاضطهاد والتطهير العرقي للسكان الأصليين على يد المهاجرين الأوائل للقارة الأميركية الذين قدموا من أوروبا.

بعد أن مكثت مخيِّماً خمسة أيام استمعت فيها لقصص مؤلمة، رواها بعض قادة أمة لكوتا في شاينين ريفير، وشعرت بدوري كفلسطيني أنني أشارك هذه الأمة همومها، فكلتا الأمتين لكوتا والفلسطينية تعرضتا للتطهير العرقي والاضطهاد وما زالتا تعانيان آثاره.

لم أكن أتوقع أن اليوم التالي سيكون حافلاً ومرتبطاً بقصص حقيقية حدثت مع أحد قيادات الثورة الفلسطينية، وأنني سأستمع لها في ساوث دكوتا، هنا في الولايات المتحدة الأميركية.

في صباح اليوم السادس قُدت سيارتي 6 ساعات أنا وإعلامية أميركية من "الرزيرفيشن" متوجهاً لمدينة سيوفولز في الشمال الشرقي من ولاية ساوث داكوتا، بغية زيارة صديق يعمل في البيت الأبيض من الحزب الديمقراطي، دعانا الرجل للعشاء في مطعم سوري في نفس المدينة، وقام بدعوة السيناتور الأميركي السابق من أصول لبنانية جيمس أبو رزق للتعرف علي.

عندما دخلت إلى المطعم السوري، قابلني السيناتور جالساً على كرسيه ومبتسماً وحيَّاني بالعربية: مرحباً.

قلت: مرحباً، كيف حالك؟

السيناتور: تمام.

لم يكن يعرف السيناتور من العربية إلا ما يكفيه ليقول مرحباً. كانت الأيام التي أمضيتها في مناطق السكان الأصليين "الرزيرفيشن" ممتعة وصعبة في الوقت ذاته، فهي من جهة تضعك في تجربة نادرة وغير متاحة للكثيرين، حيث تعيش وتتعرف على كافة جوانب حياة السكان الأصليين من أمة لكوتا، في المقابل هي صعبة لأنك تستمع لكل هذه القصص عن مجزرة "الركبة المصابة" التي ارتكبت ضد أمة لكوتا عام 1890م في ساوث دكوتا.

سألني السيناتور من أي مدينة أنت من فلسطين؟ فأخبرته أنني من الخليل.

قال: "أعرف هذه المدينة، لقد أفسد الإسرائيليون عليكم حياتكم، الوضع صعب جداً هناك. أليس كذلك؟"

قلت: بالتأكيد.

كنت جائعاً ومتعباً، وكان الطعام السوري لذيذاً ويذكرني بالبيت، كنت أتناول طعام العشاء وأستمع للحديث الذي يدور حولي مع السيناتور.

منذ قدومي إلى الولايات المتحدة أجد نفسي دائماً أمام سيل من الأسئلة عن الوضع في الأراضي المحتلة، عليَّ أن أتحدَّث وأن أجيب عن جميع الأسئلة، الناس هنا في الولايات المتحدة مغيبون عن الحقيقة، فقد تتعرض على سبيل المثال لسؤال، وماذا يفعل جيشكم الفلسطيني؟ لماذا لا يحميكم؟ أو ما موقف الولايات المتحدة من هذه القضية؟

نظر إلي السيناتور وقال لي أريد أن أخبرك قصة عن ياسر عرفات، فقد ذهبت لمقابلته عندما كنت أعمل سيناتور عاماً 1973. لقد دعيت من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية تلك الفترة إلى لبنان، تلقَّيت الدعوة عن طريق السفير اللبناني أثناء زيارة لي بصحبة ولدي ذاك الوقت إلى سويسرا.

عندما وصلت إلى لبنان، قرَّرت أن أقابل عرفات، رتَّبت الأمر عن طريق بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، تبسَّم السيناتور وقال لي: "رافقني عدد من مقاتلي المنظمة وقادوا السيارة في بيروت، لقد أخذوا مساراتٍ عدة وغيَّروا السيارة عدة مرات، على ما يبدو كانت تلك احتياطات أمنية يتبعها مقاتلو المنظمة لإبقاء مكان عرفات بعيداً عن الأضواء!"

وأضاف قائلاً: "لقد وضعوني أخيراً في شاحنة صغيرة، وأحاط بي المقاتلون، وصلنا إلى بناء من 6 طوابق في بيروت الشرقية، صعدوا بي إلى الطابق السادس، كان عرفات يجلس على مكتبه وبجانبه هاتف، جلست مع الرجل وتحدثنا قليلاً حتى دقَّ هاتفه".

قطع عرفات الحديث معي وأجاب هاتفه، ثم قال لي: أتعلم ماذا أخبروني لتوهم؟! قلت له: لا.

عرفات: الإسرائيليون أرسلوا الطائرات المروحية لاغتيالي هنا، إنهم يبحثون عني.

السيناتور: إذاً، لنخرج بحق الجحيم من هنا.

انتهت المقابلة مع عرفات بهذا السيناريو.

عند سؤالي للسيناتور عن العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الإدارة الأميركية ذلك الوقت.

قال: لقد كانت سيئة جداً، بل يمكنني أن أخبرك بأنها كانت مروعة للغاية.

على ما يبدو أن عرفات لم تكن تلاحقه في تلك اللحظة بالتحديد المروحيات الإسرائيلية لقتله، وإنما كان سيناريو يتبعه الرجل لإنهاء لقاءاته الموجزة مع الأميركيين، نظراً لموقف الإدارة الأميركية من منظمة التحرير ذلك الوقت.

بعد عام من هذا الحدث، اتصل السيناتور آدلي أستيونسن بالسيناتور جيمس، طالباً منه ترتيب لقاء له مع عرفات، اتصل جيمس بممثل منظمة التحرير في الأمم المتحدة بنيويورك، وطلب منه أن يرتب لقاء للسيناتور أستيونسن مع عرفات في بيروت.

تم اللقاء بين أستيونسن وعرفات في بيروت الشرقية، كما كان مرتباً له، بعد عودة أستيونسن إلى الولايات المتحدة اتصل جيمس أبو رزق به ليستوضح عما حدث، أخبره الأخير أن مقاتلي المنظمة اصطحبوه وغيروا السيارة عدة مرات في طريقه لمقابلة عرفات، ووصف أستيونسن مقاتلي المنظمة بأنهم كانوا مدججين بالأسلحة.

أوصل مقاتلو المنظمة السيناتور أستيونسن إلى مبنى من 6 طوابق في بيروت الشرقية، صعد السيناتور إلى الطابق السادس، ليجد عرفات جالساً خلف مكتبه، تحدَّث معه عدة دقائق، ثم دق هاتف عرفات، تحدث عرفات عبر هاتفه عدة كلمات بالعربية، ومن ثم أخبر السيناتور أستيونسن بأن إسرائيل أرسلت مروحيات لاغتياله، وأنهم يبحثون عنه الآن، الأمر الذي دفع السيناتور للمغادرة على الفور.

إن فترة بداية سبعينيات القرن الماضي حملت علاقة مشحونة ومتوترة بين منظمة التحرير الفلسطينية التي كان يترأسها عرفات وبين الإدارة الأميركية ذلك الوقت. ويبدو أن عرفات كان يعلم تماماً أن اللقاءات مع الأميركيين لم تكن لتكون مثمرة، وأنها لن تسمن ولن تغني من جوع، الأمر الذي دفعه لانتهاج هذا السيناريو في التعامل معهم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا عن العلاقة بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأميركية الحالية بما يخص القضية الفلسطينية؟.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.