المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عزيزة البنا  Headshot

قوة الدفع

تم النشر: تم التحديث:

ما لبثت أن عادت لبيتها بعد يوم طويل، يوم قضته بين اليقين والأمل في الله، وبين انفطار النفس من عجز وخوف وقلة حيلة، ليست كلمات تكفي لوصف المشاعر في ذلك اليوم وليست أحداثاً استطاعت حتى هذه اللحظة أن تمحو ولو دقيقة واحدة، كل التفاصيل حاضرة، كل الأماكن والخطوات هناك مقدرة بقدر هلع القلوب يومها!

بين هنا وهناك، بين الجري والإبطاء، بين البكاء بصوت وكتم العبرات، بين الإنكار وبين أصوات عدة هاتفتني في ذلك اليوم؛ لعل لديّ ما أستطيع أن أخبرها به من جديد!

وبين صوته الذي جاءني مرتين ثم غاب، والذي طالماً كان حانياً، والذي اختبرت فيه كل معاني الخوف والحب والرجاء في لقاء قريب، وكل أنات الوداع.. "عودي إلى البيت فالمكان ليس آمناً عليك"، وكأنه كان يدرك وجوب بقائي على قيد الحياة الآن.. ذلك الصوت الذي ما زال عالقاً في قلبي! بين صوته وصوت أمي الذي كان يمسح بعض خوفي، وهي تستغيث بربها ألا يخزيني فيهم، وأن أعود بهم جميعاً سالمين، صوتهما حتى الآن لم يفارقا قلبي، كنت أشعر أنني أمسك بأهداب الأمل طالما الصوت معي.

في هذا اليوم كل ما استطعته هو الدعاء والتسليم، اليوم مشهد من مشاهد يوم القيامة لا محالة، أقف بالخارج مكتوفة اليدين وبالداخل ابنتاي وزوجي، لا أعرف مَن سيبقى على قيد الحياة ومَن سيرحل، وإن كنت يومها متأكدة كيف سينتهي بنا المشهد، ولكنها كانت قوة الدفع!

وها قد انتهى المشهد الأول من ذلك اليوم، ما لبثت أن عُدت إلى البيت بابنتيّ لعلي أستطيع أن أضمد جراحات أنفسهما وأنفاسهما التي كادت تفارق جسديهما من هول ما كان في هذا اليوم حتى دق جرس البيت، مَن أسفل؟ يا ترى مَن الطارق؟ لعله هو ربما استطاع أن يعود، لعله عاد سالماً أو جريحاً المهم أن يعود.

وهنا تراودني ذكريات الليلة الماضية لذلك اليوم، تلك الليلة التي خرج فيها قلبي من مكانه، من بين الضلوع؛ ليرافق حركات جسدي، ويشير إليَّ الزمان والمكان أن امكثي ولا تغادري، فربما لن تعودي الآن، وربما لن يعود مَن تركتِه ورحلتِ، وربما سأرحل أنا أيضاً عنك، حاولي أن تتأكدي من كلامي هذه المرة، ولا يكفي أن تتساءلي لماذا أنت يا قلبي خائف؟ فهذه الرائحة التي تشتمينها وهذا الخاطر الذي يجول بخاطرك منذ عدة أيام حول المكان البعيد الذي يلوح بالأفق ليس من فراغ، بل هي إشارات.. اصبري ولا تنصرفي.. عجباً لك يا قلب، ولكني أعتذر منك فمعي صغيرتان لا تودان البقاء وتريدان الرحيل، فلن أستطيع أن أبقى حتى الصباح سأرحل بهما الآن، ثم أعود مجدداً فما زالت باقي أسرتي هناك! نعم رحلت أنا.. لكنك فارقتني وقررت البقاء هناك، حقاً ما أقول رحلت بجسدي والصغيرتين وتركت قلبي هناك ملقى على الأرض! غلبتني قوة الدفع، فربما لا يحتمل الموقف بقائي هناك وربما اختارني القدر للرحيل الآن.

جاء جرس الباب، وإذا بالطارق ينتحب من البكاء محاولاً إخفاء مشاعر هلعه ليخبرني أن أمراً جللاً حدث راجياً منّي أن نسرع الخطوات، ويا لها من قوة دفع خارقة ماكنة فعلت بي ما لم أكن أتوقعه، استجمعت كل قواي وكل حرصي وصمتي ألا أخبر البنات أن أباهن قد ارتقى، وكيف أخبرهن وأنا راحلة الآن؟ مَن سيضمهن إلى صدره؟ ومن سيشاركهن صرخات قلوبهن؟!

قوة دفع حملتني طوال هذه الليلة.. ليلة كانت كنوعٍ جديدٍ من ملحمات الحياة! ما بال هذه القوة الكامنة "أأنا هذه التي تتحرك مسرعةً.. وهي مَن كانت تراقب أنفاسه منذ عام مضى كل ليلة لتتأكد أنه ما زال بينهم وعلى قيد الحياة؟! أأنا هي التي كان بينها وبين الموت معركة لوم وعتاب؟!

قوة دفع داخلية لا أعتقد أنها كانت وليدة تلك اللحظة، وكان الله العظيم الذي ألهمني الاسترجاع وقت وصول الخبر هو العظيم الذي حملني على تحمّل مشاق ذلك اليوم والليلة.
قوة الدفع هذه لازمتني أن أقبل ذلك الفقد.. كل شيء كنت أتوقع تجاوزه وقبوله والتصالح معه إلا هذا الأمر كنت أقف أمامه عاجزة حتى عن التفكير فيه.

لكن قوة الدفع هذه أفهمتني معنى جديداً لوجود الله ولطفه ورحمته ومأواه ومعيته، علمتني كيف أقرأ آيات الله.. فكأني لم أمرّ عليها قبل الآن.

قوة دفع جعلت منّي قلباً يرق لآلام الآخرين ويسعى جاهداً في تقديم يد العون الكريم لهم ما استطعت.

قوة دفع تقف في ظهري الآن تأخذ بزمام أمري وتلهمني صبراً، أحياناً كثيرة أجد علقمة في حلقي، فتهمس في أذني أن تجرعيه وإن كان مراً فذلك خير.

تلك القوة التي أشعرتني معية الله كيف تكون وكيف يكون الستر.

قوة دفع لم تكن رفيقة تلك اللحظات واختفت، بل كانت رفيق رحلة من الصدمات وخيبات الأمل المتكررة، فكانت لي بمثابة اليد الحانية التي تهدئ من روعي، فتلك الحياة وإن طالت قصيرة، وكل شيء فيها بقدر الله.

قوة دفع حملتني إلى خلع تلك الثياب المترهلة التي اكتسيناها دون أن نختار لها لوناً ولا مقاساً ولا هنداما، قوة دفع استدعتنا إلى نبذ تلك الأدوار التي فُرضت علينا؛ لنلتقي من جديد مع تلك الفطرة المبهرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

قوة الدفع التي علمتني أن أبكي حين تبلغ مشاعري حد البكاء، وأن تهدأ نفسي وتسكن لصوتها الداخلي، أن تضحك وتفرح، وأن تصرخ إن كان وقتها ينبغي الصراخ، وأن تصمت حينما يكون الصمت هو المقام.

تلك القوة التي ساعدتني أن أقول كلمة "لأ" وقت ينبغي أن تقال، فالباقي من الحياة هو ملك لله، وحق لنا أن نتصرف فيه وفق ما يقدره الله.

قوة تحمل بين طياتها رحمة ومعنى جديداً في هذه المعاناة، تلك القوة التي علمتني كيف يكون الفرق بين الهروب وبين شرف الكفاح في الحياة.

قوة تسير بجواري مصاحبة، تطيّب خاطري وتمد يدها لتسمح عنّي علامات الزمن والإرهاق، فتنشر عبقَ رحمتها، وتملأ حكمتها المكان أن اصبري وصابري ورابطي، فيطمئن قلبي إلى استقامة ميزان عدلها بين اللطف والود والرحمات.. قوة دفع من الله وإلى الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.