المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أزهار لعموم Headshot

نقاء إلكتروني

تم النشر: تم التحديث:

لعل أول ما يشد انتباهنا بمجرد إلقاء نظرة على "حيطان" المواقع الاجتماعية هو مدى تذمر الناشرين من كل الأشياء والأحداث التي تحيط بهم بدءاً من أكثرها تفاهة ووصولاً إلى الأكثر تعقيداً وحساسية.

يمكن تفهم هذا بشكل أو بآخر على أنه نوع من الغيرة تدفعهم إلى تعميم النداء من أجل مدن فاضلة كما تخيلها أفلاطون لكن ما يجهله رواد المواقع الاجتماعية هو أن ما تستلزمه مدننا كي تصبح فاضلة بعيد كل البعد عن انتقادات رديئة مبتذلة يعتقد أصحابها أنها بناءة.

ينتقدون النفاق الاجتماعي والغش والكذب، ينتقدون السياسات الشبه ديمقراطية والزعماء المهرجين والقطيع الذين يردَّد وراءهم عاشت الحكومات، ينتقدون المنظومة التعليمية و وزارة الصحة والبنيات التحتية، ينتقدون الملحدين والمتشددين والذين يتخذون الدين ذريعة للتستر على جرائمهم، ينتقدون العهر والفن والمؤامرات الغربية... ينتقدون بلا ملل ولا كلل كل مكونات المجتمع الذين يتناسون أنهم من صلبه ترعرعوا داخل رحمه ولازال حبله السري يحيط بأعناقهم.

عند رؤية كل هذه النفوس المفعمة بنية حسنة تجاه الوطن والمجتمع أتساءل ما بال مدننا ليست فاضلة بعد، كيف يعقل أن الجميع يستنكر الفساد وهو لايزال قابعاً بيننا؟ إما أن الإنسان خلق ليفسد في الأرض وأن الفساد طبيعة بشرية محضة أو أن الإنسان ينتقد الفساد كي يحس بطهارته داخل عالم غالباً ما يصفه بالنجاسة.

النقطة الأولى فلسفية يصعب مناقشتها أما الثانية فهي الأقرب إلى واقعنا الذي ختمته بنون الجماعة كي أخص به البشرية برمتها. الانتقاد طوق نجاة يتمسك به الإنسان كي يبحر بعيداً عن الآخرين و يلوح لهم برايات بيض نشر عليها طهارته، يتمسك به كي يحتفي بنرجسيته على حساب أخطاء الغير كي يحس بالتفوق ليس عن طريق إنتاج شيء نافع أو الانفراد بملكة استثنائية بل بأسهل الطرق وهي التقليل من الآخرين وانتقاد مواقفهم.. ينشرها بكل الوسائل المتاحة وما أكثرها في عصرنا ليكون بذلك قد أعلن أمام الملأ أنه بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، لكن سخرية القدر تجعل منه مروجاً لها و الشاحن الذي يزودها دون قصد بالطاقة.

هكذا نجد أنفسنا في حلقة مفرغة نقوي عن طريقها نشر الفساد والمواقف التي لطالما نبذناها نمول مشاريع خاسرة من أجل الحفاظ على سمعتنا داخل مجتمع يخاف فساد السمعة نمثل بإتقان أدواراً لا تمت لحقيقتنا بصلة للاستمتاع ب "لايكات" تدعم إحساسنا الدائم بالنقاء و الطهارة التي لا تشبه شيئاً مما يجب أن تكون عليه مدننا الفاضلة.