المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آزال عبدالله مجاهــد Headshot

قصة الشابة اليمنية "ليليان" التي أدارت ظهرها للحرب

تم النشر: تم التحديث:

▪ هبة ربانية وموهبة إنسانية حوَّلت مأساة الواقع إلى قوة ودافع لإبراز موهبتها.

▪ كيف نجحت "فراشة الألوان" باختصار الزمان لتنبئ بميلاد فنانة عظيمة؟

خلَّفت الحرب الدائرة في اليمن، للسنة الثانية على التوالي، آثاراً بالغة في نفوس اليمنيين، بملامستها لصميم حياتهم، بعد أن ألقت بظلالها على تفاصيل أيامهم، التي تحوَّلت، مع مرور الوقت، إلى مجرد عناوين تتداولها وتتناقلها وسائل الإعلام المحلية منها والإقليمية والدولية، ومنصات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، قبل أن تغدو تلك الأخبار بمثابة الوجبة اليومية الروتينية التي ألفها كافة سكان هذا البلد الذي لم يعد بمقدور أبنائه التطلع لملامسة مستقبله، بطريقة مختلفة عن تلمسهم لحاضره المأساوي، الذي يعيشونه اليوم، كما كانوا يعيشونه قبل الحرب، وهو الحاضر الذي تحول إلى كارثة، عملت، وتعمل، على تعطيل وحجب المستقبل، بفعل أجواء الحرب التي طغت على مختلف مناحي الحياة، غالباً، إن لم تكن هي الطاغية على حياة اليمنيين، ككل، منذ سنتين.

المدهش والمثير للإعجاب والحسرة في آن واحد أنه وعلى الرغم من الوضع المأساوي الذي يخيم على حياة اليمنيين، تصر اليمن على منحك بارقة أمل لتلوح في أفقك وأنت تحاول جاهداً تخيل ماذا سيكون عليه مستقبل هذا البلد الصغير الذي يبدو منسياً أكثر فأكثر، ومثقلاً بجراحاته التي تمسي ثقيلة، فتصبح أكبر وأثقل، من خلال إبرازها لشبان/ شابات موهوبين لا يلقون بالاً للأجواء الموتورة من حولهم، ويظهرون، من خلال بعض الأعمال الفنية، التي عادة ما يصنعونها بجهود ذاتية، وكأنهم يديرون ظهورهم للحرب، غير مكترثين بها، ويصرون على المضي قدماً في عملية إبهار من يقفون على مقربة منهم، وبالضرورة، التأثير إيجابياً على المجتمع اليمني الذي يعيش أسوأ اللحظات التي بالإمكان تخيلها، مثلما يحدث هنا، في قصة الشابة "ليليان" التي أجبرتني على الوقوف أمامها، قبل عرضها عليكم، لما لمسته فيها من أمل، يزيح بعضاً من ركام البؤس المتكوّم في نفوسنا المثقلة بالألم، ويجبرنا على التفاؤل، كيمنيين، لم نفقد بعد رغبتنا بالعيش، وتذوق الجمال، رغماً عن كل تلك الأحمال التي تثقل بها هذه الحرب اللعينة كاهلنا.

* "ليليان" هبة ربانية وموهبة إنسانية

في مدينة عدن، أقصى جنوب اليمن، لم تحظَ الرسامة والفنانة التشكيلية الموهوبة الشابة "ليليان سامي إبراهيم الكاف" ذات الـ19 ربيعاً، التي تقدم أعمالاً فنية تظهر قدرات نادرة، واحترافية عالية، مقارنة بأعمال أقرانها/ قريناتها بالعمر، وفقاً لشهادة خبراء احترفوا ممارسة وتعليم مهنة الرسم، والفن التشكيلي عموماً، بأقل وأبسط المقومات المتعارف عليها، لدعم وإبراز وتنمية موهبتها الشابة، في بلد لا يعترف بالفن كرسالة إنسانية كونية وجودية سامية، ولغة موحدة، حالياً، كما هو في السابق، بالقدر الذي يعترف فيه بالصراعات والحروب للتعبير عن نفسه والتعريف بها.

الهبة الربانية المتمثلة بالموهبة الإنسانية الفريدة، التي عادة ما تصنع البهاء؛ ليطغى ويغطي على أكبر مساحة ممكنة من القبح، ويتجاوز كل ما يقابله في طريقه من كراهية، هي من ساعدت ومكّنت الشابة المبدعة "ليليان" من تلمس وجهتها نحو التميز حين حولت بخيالها الواسع مأساة الواقع إلى قوة ودافع شقت بهما طريقها لإبراز موهبتها بالرسم، متحدية نفسها، وبلدها، الذي لا يزال منشغلاً بعملية البحث عن ذاته في وجوه أبنائه المشغولين عنه بالحرب.

* فراشة الألوان تختصر الزمان

تقدم "فراشة عدن الصغيرة" رسوماتها، التي تظهر بشكل واضح، أنها استطاعت تشكيل شخصيتها الفنية، بثقة كبيرة، وتراكم ثقافي معرفي، نتج عنه تنوع الطرق التي تعتمد عليها حين تستعرض أفكارها عبر رسوماتها، بمنأى عن كل ما من شأنه التأثير سلباً على مواهبها المتعددة التي نمت وتطورت، على مدار سنوات عمرها، ما بين الرياضة والتصوير، حتى استقرت على الرسم أخيراً، مانحة المجال الذي أسرها، جزءاً كبيراً من وقتها، بإشراف ومتابعة وتشجيع أسري نموذجي دائم، الأمر الذي دفع والدها الصحفي والإعلامي اليمني "سامي الكاف" الذي يفخر بأنه كان أول المعجبين بأعمال صغيرته، بعد أن لمس نضوج موهبتها، على نحو لافت، للتجاوب فوراً مع ما بدا له تميزاً لا يملك معه إلا أن يكون الداعم والمشجع والمحفز الأول له، من خلال عرضه لمعظم أعمالها على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، الفعل الذي قوبل بردود فعل مشجعة، على نطاق واسع، وهو ما أكد له، بما لا يدع مجالاً للشك، أن فتاته الصغيرة تخطو بثبات ملحوظ نحو اختصار الزمان؛ لتبدأ رحلتها الاحترافية مع الألوان، بامتلاكها الموهبة الفطرية، التي من المهم أن يتم تنميتها علمياً، وهو ما يسعى ويعمل لتحقيقه بكل ما أوتي من قدرة حالياً.

* ميلاد فنانة عظيمة

"ليليان"، التي جمعت ما بين التفوق العلمي والفني، كطالبة حصلت على معدل (97%) في المرحلة الثانوية، وهاوية للرسم، كما تصنف نفسها، استخدمت تكنيكاً غير معتاد في رسوماتها، سواء تلك الرسومات التي تعتمد على التنقيط -كما هو واضح في الصور المرفقة- أو تلك اللوحات الملونة المبهجة كما يؤكد أستاذ الفنون اليمني المقيم في بريطانيا، عبد اللطيف الحكيمي، الذي أكد من خلال خبرته الواسعة أنها اختارت العمل على فن الجرافيك، أحد الفنون الراقية، وقدمته بشكل رائع، خطاً ولوناً، وهو ما انعكس على مجمل أعمالها المختلفة التي وجدها متقدمة على أعمال كثير من الفنانين الأكاديميين، متنبئاً بميلاد فنانة عظيمة، بالنظر إلى كونه، ولأول مرة،

يرى فتاة بمقتبل العمر، هاوية للرسم، تقدم أعمالاً فنية أقرب للاحتراف منها للهواية، متضمنة خطوطاً على درجة عالية من الثقة، وتنقل رشيق ولافت على مدارس فنية متنوعة كالتشريحية والتجريدية والتكعيبية والوحشية والسريالية، وجميعها فنون ومدارس يصعب إتقانها في مراحل مبكرة من العمر، مستخدمة القوة والبراءة في آن معاً، وبجرأة، وقدرة كبيرة على السيطرة والتحكم ومزج الألوان في إيقاع متناسق.

إلى ذلك، تستمر "ليليان" بتقديم أعمالها العظيمة، رغم صغر سنها، وحداثة عهدها، ورغماً عن كل الظروف التي تمر بها اليمن، منذ سنوات، وصولاً للفترة الراهنة؛ الأعمال التي تبدو لك، رغم بساطة أدواتها، منذ الوهلة الأولى، أنها أعمال لنجوم بارزين، توافرت، وتتوافر لديهم كل مقومات التألق، وأهمها وأبرزها على الإطلاق، بمعزل عن الاهتمام الأسري بالطبع: النقاء/الصفاء الذهني الذي تضمنه الدولة/المجتمع مع ضمان توفير وسائل تحفيز مختلفة تقدم للمبدعين أرقى وسائل المساعدة والتشجيع على الإبداع، ومن قبل ذلك كله الرعاية والاهتمام بإبداعاتهم،

ولإبداعاتهم، كوسيلة من الوسائل التي تعكس رعاية واهتمام واحترام الدولة/ المجتمع بالفنون الإنسانية، ما يظهر بالضرورة احترامهما لقدسية هذه الحياة، وهو الأمر الذي لا يبدو متاحاً في اليمن، اليوم، رغم تزايد أعداد الشبان والشابات المبدعين بمختلف المجالات، في ظل حالة الحرب، وبالتالي، صعوبة توافره قريباً، بالنظر إلى تعقيدات الحالة اليمنية التي نتمنى أن تتحسن وتتعافى؛ لتتمكن من منح هؤلاء المبدعين بعضاً من وقتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.