المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيوب رفيق Headshot

لنتناول الفشل من زاوية أخرى

تم النشر: تم التحديث:

الفشل يُرعبنا، يبثُّ الهلع في أوصالنا ويُشِيعُ الذعر في نفوسنا. نَحْسَبُه بعبعاً تتوقف معه عقارب الساعة وتوصد به أبواب النجاح، حتى نوشك على إقرانه بالموت في تراجيديته وفي الرهبة التي يلقيها علينا.

هكذا يرتسم الإخفاق في أذهاننا - نحن قاطني دول العالم الثالث و"معمري" البلدان العربية - نرنو إليه بنظرة طافحة بالخجل والتقزز، ونجرد كل من وقعوا في شركه من إنسانيتهم ونفرغهم من خصالهم وقدراتهم، فنقصيهم من خانة المؤهلين لمعانقة المجد وملامسة القمة.

في المجتمعات المتماهية مع ذاتها والمناهضة للأحكام الجاهزة، ثمة تطبيع كلي وشامل مع الفشل، يرونه أرضية للتفوق وبساطاً للتحليق في سماء الخلق والإبداع، ما يذهب بهم إلى شحذ همم المتعثرين وإحاطتهم بكافة صنوف الدعم والمؤازرة.

هناك يؤمن كل منتكس بأنه ماضٍ في تلمّس سبيله صوب المبتغى، وتترسخ قناعته بتحقيق الهدف المنشود، كلما أوغل في السقوط وانغمس في التعثر.

على ذات الضفة، يوظف الأفراد تجاربهم الفاشلة في وضع لبنات النجاح، مستخلصين الدروس ومفتخرين بمراكمة الانتكاسات والخسارات، حتى وإن بلغوا ما طمحوا إليه ووصلوا لما تاقوا إلى تحقيقه.

ألم يولد من رحم هذه الدول المتقدمة مخترع أمريكي يدعى توماس أديسون، فشل مئات المرات قبل أن يوقد مصابيح أنارت العالم، وينصرف بعد ذلك إلى ابتكار أجهزة مبهرة وتطوير أخرى، من قبيل آلة التصوير السينمائي والفونوغراف.

ألم تتعرض أفكار العالم الفضائي روبرت جودارد لكل أشكال الاستهزاء من طرف زملائه في مجال عمله، متهمين نظريته بالقصور وعدم النجاعة، ليفلح في آخر المطاف في الدفع بها إلى البزوغ وبلوغ عنان الشهرة، حتى صارت مرجعاً في إطلاق الصواريخ الفضائية.

إن الفشل هو المعبد الأول لطريق الفلاح، يشحن المرء بطاقة سحرية تعينه على تعزيز إيمانه بإمكانية إخراج حلمه إلى حيز الوجود، فيغدو قوي المناعة أمام عبارات الشك والارتياب التي يقذفه بها "أعداء النجاح" ويسير ثابت الخطى ومتحرراً من أي مخاوف صوب مبتغاه.

أما في عُرفِنا، فلا يجوز استحضار الإخفاق والإتيان على ذكره، دون طأطأة الرأس واكفهرار القسمات، كمن هوى نادماً على جرم جسيم اقترفه، في غياب تام لمجال للتدارك والترميم.

نحن قوم نتحاشى الإقرار بالفشل، ونؤثر تعليق سقوطنا على مشجب الحظ، فنعزو عدم بلوغ المراد إلى عبوسه حيالنا، ونُرجع نجاح الآخرين إلى ابتسامه لهم، تفريغاً لحقد يولده جمودنا أمام دينامية أقراننا وعجزنا عما تمكنوا من تحقيقه وبلوغه.

لقد نشأنا في بيئة تستهجن الإخفاق وتخاله عنصراً دائماً غير مؤقت، تحكم على المتعثرين بالبقاء في مستنقعهم، مع استبعاد إمكانية نهوضهم واستئناف المسير نحو ما يسعون إلى الوصول إليه.

لننفض عنا الخشية من الاصطدام بالفشل، ونصحح مفاهيم مغلوطة تنتمي لعصور سحيقة ولازالت تسود ثقافتنا، حينها فقط سيصير بوسعنا هدم هذا الهاجس الذي يجثم على نفسيتنا، ويعرقل نسجنا لنماذج ناجحة وتفريخ جيل مبدع نتخذه مصدراً للاعتزاز أمام الأمم الأخرى.

لنتعايش مع الفشل وننسف ما يعتمل بخوالجنا من أحكام مسبقة إزاءه، ونقتنع بأن مرحلة السقوط والتعثر حتمية في مسارنا لتحقيق ما نصبو إليه، فلا بلوغ للمراد ولا وصول للهدف، دون الوقوع في لهيب المعاناة والخضوع لاختبارات تقيس مدى رغبتنا في ترجمة مبتغانا على أرض الواقع.

تطبيعنا مع الخسارات وتقبلنا للانتكاسات، لن يؤدي بمجتمعاتنا سوى لإفراز أجيال لا تتوقف عجلاتها عند أول سقوط، بل ترى في هذا الأخير نقطة للانطلاق ووقوداً يشحذ النفس للمضي قدماً في الهدف الذي ترسمه، عندها فقط سننعم بأمثلة لأفراد مُلهمين حطوا الرحال بالقمة، بعدما بصموا على عشرات التجارب الفاشلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.