المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن حويرة Headshot

14 أغسطس ماذا حدث للمصريين في

تم النشر: تم التحديث:

يقولُ جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" والذي يحكي فيه عن التغيرات التي حدثت للمجتمع المصري في الفترة من عام 1945 وحتى 1995 أن هذه التغيرات المذهلة التي طرأت على المجتمع تعود إلى أسباب كثيرة أهمها انتشار التعليم بصورة كبيرة بسبب تطبيق المجانية على يد طه حسين، والهجرة التي زادت في السبعينيات وخاصة لدول النفط، إلى جانب التغريب والتعصب الديني وغيرها مما جمعه في النهاية تحت مصطلح الحراك الاجتماعي. هذا الحراك المجتمعي الذي اقترن بعدها بالانفتاح الاقتصادي لينتج لنا لاحقا لغة عربية مشوهة وفناً ظل يهبط إلى قاع الذوق العام، وفساداً بشتى أنواعه الأخلاقي والمالي وغيرهما. هكذا انتقل المصريون في خمسين عاماً من مجتمع له من العيوب ماله إلى مجتمع طالته يد الزمان ونالت منه فأخرج لنا في بداية عصر مبارك مسخاً ظل ينمو وينمو.

مرت سنوات مبارك الثلاثون في جمود مضاد لهذا الحراك، جمود أصاب كل شيء في مصر لكنه لم يشفع لها ليوقف تحول المجتمع وتدهوره، انحدر الذوق العام بدرجة كبيرة واكبها تدني الحالة الاقتصادية للبلد وتفشي الفقر والمرض. لكن شيئاً ما بقى ليعطي أملاً في لحظة خارجة عن سياق الزمن، ربما تلوح يوماً ما لتجد من يستغلها لدفع الحراك المجتمعي في الاتجاه العكسي والعودة مرة أخرى إلى مساره الصحيح الذي التمسته الأمم الأخرى منذ عهد سحيق، شيء ما أبقى ترابط هذا الشعب حياً نابضاً ينتظر الفرصة المناسبة، شيء ظل خاملاً حتى أيقظته صرخات الشباب في الميدان ودماؤهم التي سالت في الخامس والعشرين من يناير.

تسارع الإيقاع بصورة مدهشة وبدا وكأن هذا الشعب قد قرر الانتفاض، قرر تعويض عقود من الفشل المجتمعي في شهور قليلة، تفاءل الجميع- دون سبب وجيه- وانتظروا مشهد النهاية السعيدة كما عودتهم سينما السبعينيات والثمانينيات الرديئة، لكن عاماً واحداً كان كفيلاً بكسر هذا التابلوه البديع الذي رُسم في غفلة من الزمن، بضعة عشر شهراً كانت كافية لينتكس هذا الشعب انتكاسة لا يعلم مداها إلا الله. انتكاسة ربما ينكرها البعض بدعوى أنها مجرد خلاف سياسي لا أكثر، لكن ما حدث بعد ثلاثين شهراً من لحظات التكاتف المبهرة في يناير 2011 كان جرحاً لن يندمل في جسد المجتمع وشرخاً في جدار التعايش الذي لم تستطع عوامل التعرية والتجريف الاجتماعية والاقتصادية على مدار ستين عاما أن تنال منه.

استيقظت مصر في هذا الصباح على خبر لم يزعج الكثيرين، لم يتجاهله الكثيرون حتى كما يفعل البعض أحياناً بدعوى اعتياد المصائب، بل لقد ارتسمت ملامح السعادة والبهجة على وجوه فئة لا يمكن أن تكون قليلة أو تصنف على أنها حالة استثنائية. كان الرابع عشر من أغسطس 2013 هو أول يوم في تاريخ مصر الحديث يفرح فيه المصريون- بل الكثير منهم في الحقيقة- بمقتل مصريين آخرين، مصريين كُثر، آلاف من المصريين. لم تكن فرحة زائفة أو مفتعلة، لم تكن على استحياء حتى، بل فرحة طاغية، شامتة، نظرات متشفية، لقد دارت العجلة المجنونة يومها ولم تقف حتى الآن.

خَرَجتُ في تظاهرة بعدها، عشرات أو ربما مئات الآلاف، جبنا الشوارع منددين بما حدث، طاردتنا الشرطة عدة مرات وأطلقت علينا رصاصها في نهاية اليوم فما كان منا إلا الفرار، لجأت إلى منزل أحد أصدقائي ولم أستطع مغادرته حتى الصباح. لم أنم يومها وبت أفكر طويلاً فيما لو سألني ابني عند عودتي: لماذا لم ترجع بالأمس يا أبي؟ هل كنت لأخبره بأني كنت أخاف أن يقتلني بعض المصريين المرابطين في الطرقات أملاً في الفتك بأي ذي لحية؟ هل كنت لأحكي له عن الزومبي الذين ملأوا الشوارع ليلاً يبحثون عن ضحية جديدة أو مصاصي الدماء الذين تبرعوا لمعاونة الشرطة في مص دماء الخارجين على ناموس الانقلاب؟ ماذا سأخبره لو سألني يوماً ما عما حدث للمصريين في الرابع عشر من أغسطس؟ ما الذي حدث في عدة شهور واستطاع أن يفتك بالرباط الذي صمد في وجه تحديات عقود من التدهور؟ هل هو الخوف الذي انتصر على التاريخ؟ الخوف الذي استطاع أن يمحو ثمانية عشر يوماً اختلط فيها من آثر التشفي اليوم بمن تُشُفي فيه؟ الخوف الذي جعلني عرضة لأن ينعتني صديقي بالإرهابي إذا ما حَصَدَت رصاصات انقلابه روحي؟

سيظل هذا اليوم حدثاً فاصلاً في تاريخ هذا الشعب، حدثاً يستحق كتاباً كاملاً مثل الذي خطه جلال أمين، سيكتب الكثيرون عنه فلا يوفونه حقه، سيردد الجميع أسبابهم، وسيحكي التاريخ قصصاً هزلية لا تليق بجلال الموقف، ستظل لحظات الرعب التي عاشها الناجون حاضرة في مخيلتهم لا تفارقها، سيتبارى المحللون يوماً ما في تفكيك الحدث أملاً في تخطيه وتخطي عقباته، وسأظل أنا عاجزاً عن إيجاد إجابة شافية صادقة حين يسألني ابني: لماذا يا أبي لم تعد يوم رابعة؟