المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن حويرة Headshot

أربعون مليون مصري .. لماذا تجاهلناهم؟

تم النشر: تم التحديث:

في الرابع والعشرين من يونيو 2012 أعلن فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية فوز محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة على منافسه المرشح المدني العسكري أحمد شفيق رئيس وزراء موقعة الجمل، بنسبة 51% (3 مليون صوت) مقابل 49% (12 مليون صوت) بإجمالي حوالي 25 مليون صوت صحيح من أصل 50 مليون يحق لهم التصويت.

ما هي الديمقراطية؟

يعتقد الكثيرون أن إجابة هذا السؤال لا تحتاج إلى تفكير طويل، فالديمقراطية هي رأي الأغلبية فيما يطرح عليهم من موضوعات تحتاج إلى قرار يحترمه الجميع، قرار يختلف عليه -في معظم الأحيان- ولا يجد من الإجماع ما يسمح باتخاذه إلا بوسيلة يرتضيها كل من يؤثر عليه القرار أو له علاقة -ولو بطريقة غير مباشرة- بهذا القرار سواء كانت العلاقة جغرافية أو عرقية أو دينية أو غيرها.

يبدو المصطلح بسيطًا لا تعقيد فيه لكن الشيطان دائمًا ما يكمن في التفاصيل، تفاصيل اختيار الوسيلة أو الآلية التي تساعد على اتخاذ القرار وتوفير البيئة المناسبة لذلك، مما يستلزم الاتفاق على بعض المصطلحات كتعريف من هم الجميع و من هم الأغلبية، كيف للجميع أن يصلوا لاختيار، كيف للمعارضين لهذا الاختيار أن يرضوا به وكيف للمؤيدين له أن يحموه، وماذا عن الذين لن يختاروا أصلًا.

في أحدث تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وصل عدد سكان مصر في صيف 2015 حوالي 90 مليون نسمة، تشكل الفئة العمرية الأقل من 15 عامًا أقل من ثلث هذا العدد بقليل (ستة وعشرين مليون نسمة تقريبًا).

أربعون مليون مصري، هذا هو الرقم الذي سقط سهوًا من حساباتنا، تجاهلناهم عن عمد أو ربما دون قصد لكن المحصلة في النهاية أننا تجاهلناهم. منذ يومنا الأول في الثورة -ثورة يناير بالطبع- ونحن لا نعير هؤلاء أي اهتمام، صحيح أن شعاراتنا كانت تصب في صالحهم، صحيح أننا طلبنا "العيش" لهم لكن حين اختفى العيش وأغلقت الأفران جلبنا ما يكفينا من السوبر ماركت وطلبنا منهم أن يحتملوا قليلًا ريثما نبني البلد كما نتمناها، انحصرت خياراتنا كلها فيما ظننا أنه الأفضل، ظللنا نردد أننا الأقدر على رسم صورة المستقبل وحدنا لو أتيح لنا، رسمنا أشجارًا وزهورًا، تلونت فرشاتنا بالألوان الزاهية وتوارى اللون الأسود مع إصرارنا على طمس كل ما قد يعكر صفو هذه الصورة المبهجة. ظننا أن من صمت ثلاثين عامًا على الظلم ليحافظ على أمان زائف ورزق لا يكفل له حياة آدمية سيدعم خياراتنا التي ستقضي على ما تبقى من هذا الأمان وهذا الرزق -على الأقل مؤقتًا، فرضنا أولوياتنا على الجميع بلا رحمة، وكما تم نعتنا بالمأجورين واتهامنا بالعمالة، لم نتوانَ نحن أيضًا في زيادة الفجوة بيننا وبين نصف سكان هذا الوطن بأن سميناهم "حزب الكنبة" ساخرين من سلبيتهم التي بدا جليًّا بعد ذلك أنها سلبية تنطق بالعجز والضعف لا التعالي والتكبر.

كيف لهؤلاء أن يحبوا ثورتنا، تلك الثورة التي بدت أقل جاذبية وأكثر حدة بل وربما توحشًا في تطلعاتها، كيف لهم أن يحبوها وهم يرون أنفسهم خارج المشهد، البعض يطالب بإقصائهم لعدم الأهلية والبعض الآخر يقرض أشعار المديح فيهم تارة ويكيل لهم السباب تارة أخرى.

ربما يجوز لنا أن نخوض معاركنا مع أعدائنا كما سميناهم في 11 فبراير ثم عزلناهم تمامًا في مشهد ثنائية مرسي/شفيق، ربما يصبح من الجائز أن نحارب من رفض خياراتنا وقاومها، لكن أقسى درجات الظلم هي أن نحاسب من لم يختر على سوء اختياراتنا نحن، نلومه على تجنبه هذا العبث من وجهة نظره أو ربما الرفاهية التي لا يملكها هو أو يبحث عنها أصلًا، رفاهية الاختيار التي توارت خلف سعيه المتواصل خلف هواء نظيف يتنفسه ومياه شرب غير ملوثة وحجرة تتسع له وسبعة من أفراد عائلته الذين -جهلًا منا- نعتوا بحزب الكنبة وهم لا يملكون هذه الكنبة أصلًا.

لم تكن ثورتنا فقيرة بما فيه الكفاية، لم تكن إنسانية بما فيه الكفاية، لذلك فشلت في أول اختبار لها أمام من حمل السلاح ملوحًا بلافتة كتب عليها "لن نطلب منك الاختيار حتى لا تتحمل هذا العبء -فقط نعدك بعودة هذا الأمان الزائف"، هذا العبء الذي لم نساعدهم نحن على تحمله والتخفف منه، هذا العبء الذي ظننا أنهم قادرون على الفكاك منه بأنفسهم دون مساعدة منا، وكأن ما عانوه طوال عقود من الفساد قادر على تأهيلهم لخوض هذه المعركة التي تخلينا عنهم فيها في زحمة تشكيل الأحزاب وانتخابات البرلمان والدستور، الدستور الذي لو جاء أولًا أو آخرًا لم يكن له أن يصلح حياة هؤلاء الذين افتقدوا أشياء أخرى ما زلنا لم ندرك أهميتها حتى الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.