المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن أبو كليلة  Headshot

خلود مضحك على مأدبة العسكر

تم النشر: تم التحديث:

في عام 1601 كان العالم الفلكي "تيخو براهمي" على مأدبة عشاء فاخرة في البلاط الإمبراطوري في براغ، واضطر إلى كبح رغبته في الذهاب إلى المرحاض، حيث كانت العادة تفرض عدم مغادرة العشاء قبل رفع الطعام من على الطاولة، فأدى حياؤه إلى موته بعد 11 يومًا لانفجار في مثانته. وأصبحت الذكرى الخالدة لعالم الفلك الكبير، كما يقول "ميلان كونديرا" هي الالتحاق بالخالدين المضحكين.

"هو الذي كان شهيد الخزي والبول"
بعد أكثر من عامين، ما زالت الأوضاع الأمنية في مصر تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. ففي سيناء، أعلن الجنرال عبد الفتاح السيسي، عقب توليه منصب رئيس الجمهورية في الثامن من يونيو/ حزيران لعام 2014، عن عزمه على القضاء على "الإرهاب" بشكل تام خلال ستة أشهر فقط. لكن لعل السحر انقلب على الساحر، وأصبحت المدة المطلوبة لإنهاء حالة ما أسماه بالإرهاب هي إلى ما لا نهاية، وامتدت الرقعة من سيناء إلى جميع الحواري والشوارع المصرية، حتى تحولت إلى ثكنات عسكرية. ولم يبقَ إلا أن تُعلق المؤسسة العسكرية على المؤسسات الرسمية والتعليمية والخدمية والخاصة لافتة "ممنوع الاقتراب والتصوير"، أو "مؤسسات محظورة الدخول قبل تصريح التفتيش الشامل".

مركزية "الإرهاب" في خطاب السلطة
الاستمرار في البحث عن 44 حرامي، الذين يهددون أمن الوطن واستقراره، هو محور خطاب السلطة في كل حدبٍ وصوبٍ. ولم يعد للحديث عن المعاناة التي يعيشها المواطن أي أهمية، لا في الإعلام ولا في الخطابات الرسمية للسلطة. بل يتداول الخطاب على أن مواجهة الإرهاب هو عين اهتمام المواطن. وأن بنية الدولة يجب أن توجِّه كامل طاقتها وإمكانياتها في هذا الاتجاه (أي محاربة الإرهاب).

أصبح خطاب "الإرهاب" يشكل في حد ذاته سلطة، فتحول من مجرد أداة في يد السلطة القائمة على الدولة، إلى سلطة في حد ذاته تفرض نفسها داخل المجتمع، وتصبح مصدرًا للحكم والتمييز والإقصاء، ومصدرًا للانتصارات والهزائم، وخرج الإرهاب من يد السلطة الفعلية في الدولة، ليشكل لنفسه كيانًا لا تستطيع الدولة السيطرة عليه، وأصبحت شريحة من المجتمع تتعامل مع الآخر دون الرجوع للسلطة، سواء على مستوى التبرير أو مناهضة المعارضين أو كما سمتهم السلطة "الإرهابيين".

يشكل خطاب السلطة محورًا مهمًا في تعاطيها مع القضايا التي تركز عليها، فخطاب السلطة يُجسد في الواقع بما يسمح لها بإقناع جمهورها باللغة المستخدمة في تبرير فعلها. لذا فإن السلطة في مصر تصيغ في ثنايا خطابها كلمة "الإرهاب"، وتكون هذه الكلمة هي محور خطاب السلطة، ونقطة الارتكاز التي تدور حولها. وبها تبرر فعلها العشوائي والعنيف تجاه الضحايا الذين تزهق أرواحهم كل يوم سواءً في سيناء، أو الشوارع والحواري المصرية، أو الجامعات وخلف جدران السجان.

فخطاب السلطة -كما أرى- ينتج السلطة ويثبت دعائمها، كما أنه يجعل السلطة في موضع لا بأس به من السخرية والحماقة والهزلية والانفلات وعدم التحكم والخروج عن سير عملها، ويجعلها في تناقضات مع نفسها، وتصبح في حالة اختلال شديد.

ومن هنا يمكن قياس هذا التفسير على خطاب السلطة العسكرية في مصر بقيادة الجنرال السيسي. فهذه الوعود الكاذبة، والأحلام التي يسوقها السيسي في خطابه (باعتباره ممثلًا للسلطة) للشعب المصري من صعود اقتصادي، وجودة على المستوى الأمني، واستقرار سياسي، وخارطة الطريق التي وضعت في أحد أدراج العسكر، عقب خطاب الانقلاب الشهير في الثالث من يوليو/ تموز لعام 2013، كل هذه الأشياء تتناقض مع ما يعيشه المواطن من سوء يومًا بعد يوم في الحالة الاقتصادية، ورفع الدعم، والانحياز لرجال الأعمال على حساب فقراء الوطن، وتردي الحالة الأمنية، وتكميم الأفواه، وتأميم منافذ المعارضة المناهضة لعسكرة الدولة، وزيادة أعداد المعتقلين داخل السجون، والانفراد بالعملية السياسية والتشريعية. كل هذا يجعل من خطاب السلطة موضع سخرية حقيقية عند النظر للواقع المعاش في مصر الآن.

"إنه طاغية ميت، طاغية يثير السخرية"
لو كان النظام المصري يتعمد السخرية من ذاته، وإلقاء الضوء على تناقضات الواقع، واستخدام أكثر التعبيرات سخرية، لما كان قد أعلن بشكلٍ قاطع أن مصر خالية من المعتقلين السياسيين. جاء ذلك على لسان الجنرال عبد الفتاح السيسي، في حديث له عبر فضائية "سكاي نيوز" من مملكة الإمارات العربية المتحدة. بينما في وقت سابق أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن وجود ما لا يقل عن 22 ألف معتقل في السجون المصرية منذ انقلاب يوليو/تموز 2013.

السخرية في الغالب فعل يستخدمه مناهضو السلطة لمواجهة ما تقوم به الأنظمة الاستبدادية والقمعية بأجهزتها وسجونها من ظلم واستبداد، لرفض الواقع السياسي. ولكن أن تستخدمه السلطة في مواجهة نفسها، فهذا يذكرنا بما فعله مجموعة من النشطاء، في رواية العنف والسخرية ل"ألبير قيصري"، والذين قرروا أن يتبعوا الأسلوب الساخر في مقاومة السلطة، فأخذوا يطبعون صورًا للمحافظ وهو متجهم الوجه، وعلى الصورة كلمات تعبر عن مدى سماحة المحافظ، ولكن هذه المرة كانت السلطة هي الفاعل الحقيقي لتعليق صورة المحافظ/السلطة أعلى "مبولة" عامة.