المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن صادق Headshot

أما آن أوان مبادرات "التطبيق" لا "التصفيق"؟

تم النشر: تم التحديث:

منذ الانقلاب العسكري وحتى الآن تخرج علينا مبادرات وإعلانات ووثائق بأسماء مختلفة، وتصدر من حركة أو تنظيم أو جماعة أو جمعية أو رابطة أو حتى شخصيات.. إلخ، تصدر باسم تجمع كان أم ائتلافاً أم شخصاً واحداً أو عدة شخصيات.

ظهر للعيان ونشر وأعلن الكثير مما ذكرنا، فهل يستطيع القارئ المتابع للأحداث والمهتم بالشأن الوطني أن يذكرها ويحصيها، فضلاً عن ذكر أهدافها ومراميها، لا أنتظر الإجابة فهي متوقعة ومعلومة، فلن يكون هناك مَن يقول نعم أنا لها إلا بالرجوع لمحركات البحث على شبكة المعلومات مع إعطائه الوقت الكافي للتمحيص؛ ليعطينا إجابة، وأظنها ستكون تقريبية، وليست على سبيل القطع، هذا عن المهتم بالشأن الوطني، فما بالنا بالشعب وهو المعني بالموضوع أصلاً؟! ومن المفترض أنه هو موضوع المبادرات المختلفة.

ونجد في النهاية تلك المبادرات وغيرها تأخذ حظّها من الإعلام لأيام أو ساعات، ثم ما تلبث ويطويها النسيان إلا على أصحابها الذين يطول معهم الأمد قليلاً، فتجدهم يستخدمون اسمها عند إصدار بيانات تعليق على أي حدث، أو يظهرون على فضائيات لا يشاهدها الا نحن وينعتون أنفسهم باسمها، ثم بعد ذلك يطويها النسيان، بل وتجد أصحاب هذه المبادرة أو تلك يدشنون أخرى بعد فترة وتمر بذات الطور من الحياة حتى الممات، وهلمّ جرّا.

ولو دققنا البحث معاً لفحص ما صدر من مبادرات بأشكالها المختلفة منذ الانقلاب حتى الآن؛ للوقوف على الفوائد التي قد تكون تحصلت للقضية المصرية بالداخل والخارج، أياً كان حجم هذه الاستفادة، أظنكم ستشاركونني الرأي بأن الفائدة ليست على المستوى.

فما زال الانقلاب بكل أدواته يعيث فساداً ويحقق نجاحات على المستويين الإقليمي والدولي، فضلاً عن المستوى الشعبي، الذي أتفق مع من يقول إن شعبية السيسي قد قلت، ولكنها ما زالت قوية، بالرغم من الإخفاقات الاقتصادية واستشراء الفساد والمحسوبية وتسلط العسكر على كل مفاصل الدولة، وما زالت شريحة عريضة من الشعب مؤيدة للانقلاب، إما حباً وإما جهلاً أو تغييباً.

وما زالت آلة البطش تدور رحاها في صفوف مناهضي الانقلاب وغيرهم، وما زال الآلاف يقبعون في المعتقلات محرمين من أبسط حقوقهم وحاجياتهم الإنسانية، ويمارس ضدهم صنوف من التعذيب البدني والمعنوي بما فيها سياسة التجويع، ويقتل المرضى منهم بالإهمال الطبي المتعمد، فضلاً عن إصابة الكثير منهم بالأمراض جراء الظروف المعيشية غير الآدمية التي لا تتناسب حتى مع الحيوانات.

وعلى الصعيد الدولي السياسي والحقوقي والقانوني، لا نجد إحرازاً لأي تقدّم، فالدول سياسياً تتعامل مع الانقلاب بأريحية كاملة وحتى الدول التي كان لها موقف من الانقلاب في أوله بدأت مواقفها تتبدل، وحتى الداعمة لمناهضي الانقلاب بالخارج ضعف دعمها شيئاً فشيئاً، وحدّث ولا حرج عن الملفين الآخرين، فلم يحدث فيهما أدنى تقدم.

فرغم الجرائم التي ارتُكبت وترتكب من الانقلاب وأجهزته، فإنه لم نسطِع حصاره قانونياً أو حقوقياً، اللهم إلا النزر اليسير في ملف حقوق الإنسان، بل وحوصر الكثير من مناهضي الانقلاب خارجياً بسبب نجاح الانقلاب في تحريك قوائم الإنتربول والتنسيق الأمني حتى في دول يقال إنها ضد الانقلاب.

وتحليلي هذا للمشهد لا يعني أنني أنكر الجهد المبذول بالملفات الثلاثة من بعض الأفراد أو الكيانات أو المؤسسات، شكر الله لهم جهدهم، ولكني أتحدث عن المردود والعائد وإنجاز الأهداف، رغم المجهود المبذول -الذي أراه غير كافٍ بالمرة- لا نكاد نرى مردوداً.

وكلامي ليس نوعاً من نشر الإحباط واليأس، بل محاولة لتوصيف واقع مرير نحيا فيه، فإن لم نحسن التوصيف، فلن نحسن العلاج، ولا بد من التوصيف بشفافية كنوع من قياس الواقع، ولا بد أن نقيس لكي نستطيع أن نطوّر، فما لا يمكن قياسه، لا يمكن تطويره.

كلامي محاولة لرسم واقعنا أمام أعيننا عسى أن نراه بعين البصيرة لا البصر، فنحاول جاهدين تغييره والانتقال من التصفيق إلى التطبيق، من المبادرات الورقية والشو الإعلامي إلى المبادرة للتوحد ولمّ الشمل والعمل بجد واجتهاد.

أدعو كل القوى، والحركات، والتنظيمات، والمستقلين، والحزبيين، وكل مَن في عروقه دم وطني أياً كان انتماؤه، الكبير والصغير، الشاب والعجوز، الرجل والمرأة، المسلم والمسيحي، أدعوكم إلى كلمة سواء، تجمعنا ولا تفرقنا، كلمة يتنازل فيها الكبير للصغير، القوي للضعيف، يتراجع كل منا خطوة للوراء لتنظيم الصفوف، ننحي خلافات الماضي ولا نجترها، فلكل منا أخطاؤه في الماضي والحاضر، ندع الاتهامات جانباً، ونضع نصب أعيننا وطناً غالياً نفيساً يدمر.

لا كلام عن محاصصة، الكل سواء حتى يضع الانقلاب أوزاره، تجمعنا مائدة واحدة، مستديرة لا رأس لها، كل القضايا مفتوحة للنقاش والتحاور، لا فرض لأجندات مسبقة، ولا خطوط حمراء، ولا فرض لوصاية، لا حظر ولا تهميش لأحد أو فصيل، الكل سواء، لا فضل لذي العدد الكبير، ولا غمط لذي العدد القليل.

الوحدة والاتحاد هدفنا، فما نجح الانقلاب إلا بتفرقنا، نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بَعضُنَا بعضاً فيما اختلفنا فيه، ولأن نجتمع على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب، مصلحة الوطن تقتضي التنازل ولين الجانب بيننا وبين بَعضنا، ونكون غلاظاً شداداً على الانقلاب.

تلك أولويات لا بد من الاقتناع والإيمان بها قبل أن نتحدث عن فحوى أي مبادرة أو إعلان، اخلعوا عنكم كل الأسماء والمسميات، أياً ما كانت جماعة أو جمعية أو مجلساً أو تنظيماً.. إلخ، بوتقة واحدة تجمعنا، يكفينا مصريتنا ووطنيتنا، نتجمع ونأتلف وننحي الخلافات والأخطاء والأغراض الشخصية ونعمل لهدف واحد، إنقاذ وطن يدمر وبلد يحرق وشعب يُباد، أنقذوا الوطن، أنقذوا ما تبقى من الوطن.. وللحديث بقية إن شاء الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.