المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن صبري  Headshot

"تمدين القرى" الحل الأمثل لوقف نزيف الهجرة نحو المدن

تم النشر: تم التحديث:

أشار عدد من الإحصاءات والأبحاث الاجتماعية إلى أن ظاهرة هجرة القرويين والمشتغلين بفلاحة الأرض وزراعتها نحو التكتلات الحضرية آخذة في الازدياد؛ حيث من المتوقع أن يصل سكان المدن في عام 2030 إلى نحو 60% من إجمالي سكان الكرة الأرضية.

ولا يخفى على أحد، سواء أكان من المتخصصين في هذا الشأن أو غيرهم، أن تلك الظاهرة إذا ما لم يتم علاجها بشكل سريع، فإن كارثة بيئية حقيقية ستَلمّ بالأرض وسكانها في غضون سنوات قليلة من الآن، ولِمَ لا والأرض الزراعية لن تجد من يقوى على فلاحتها.

ليس هذا فحسب؛ بل إن ظاهرة التسحر الناجمة عن التغيرات المناخية التي بدأت تهاجم العديد من بلدان العالم، فضلاً عن جهل الملايين بأهمية الرقعة الزراعية من الأرض البكر وإصرارهم على تبويرها، إما بالبناء عليها أو تركها دون استغلالها زراعياً، كلها أسباب تعدد من تفاقم الأزمة وازدياد الطين بِلة.

ويسير جنباً إلى جنب مع هذه المعضلات استعظام آلة الحرب والنزاعات السياسية في بعض الدول التي تنعم بأراضٍ زراعية غاية في الخصوبة، ما يمنع استغلالها بالشكل الأمثل، لا سيما بلدان مثل السودان جنوباً وشمالاً وسوريا والعراق واليمن وقطاعات من مصر وغيرهم في شتى بقاع المعمورة.

والباحث عن أسباب الأزمة التي تدفع سكان القرى إلى طيّ صفحات حياتهم وسط الحقول والزروع والهدوء، ومحاولة فتح صفحات جديدة تعج بالدخان والزحام وأبواق السيارات والقطارات والبواخر وأضواء السينمات وبهرجة لافتات الإعلانات يجد أن الدواء يخرج من رحم الداء.

بمعنى أكثر دقة يستقر في عقل ووجدان الباحث عن الحقيقة أن المزارع يلهث وراء التنعم بالحياة المدنية التي تلتحف ببريق لا يمكن مقاومته، هذا إضافة إلى أن العديد من دول العالم تغفل عامدة أو غير متعمدة دعم المواطن الريفي لحثه على البقاء، فمع بقائه تظل الحياة وبدونه تذهب، وفي حين انتبهت دول أخرى وحاولت ولا تزال تحاول إغراء فلاحيها واستقطاب آخرين من دول مجاورة، فإن الوقت لتدارك الأزمة وإصلاح المكسور يبدو أنه قد مضى.
والحل نقل (المدنية إلى القرية)، وهو الأمر الذي قد يكون أكثر نجاعة للقضاء على تلك الظاهرة، وهنا يجب على حكومات الدول التي تعاني من هذه الظاهرة المقيتة أن تجري بحوثاً مستفيضة للوقوف على الأسباب الخاصة التي تدفع فلاحيها لهجر أراضيهم، ومن ثم توفير ما يبحثون عنه في المدن؛ ليكون بالقرى سواء أكانت وسائل العيش الحديثة أو المستوى المادي والاجتماعي أو حتى الجهل بمدى أهمية استمرار وبقاء دورة الزراعة التقليدية، وغيرها من الأسباب التي قد تكشفها الأبحاث والتحقيقات الاستقصائية.

هذا الحل الذي قد يبدو في ظاهره ساذجاً أو مستهلكاً، إلا أن في باطنه إنقاذاً للبشرية من الفناء، والفناء أمر مرهون بخروج آخر مزارع من أرضه في طريقه إلى المدينة، فبعده لن يكون هناك سبيل آخر للعيش مهما تعددت الأساليب التكنولوجية الحديثة ووسائل الاستزراع المختلفة، فالفلاح بالأخير هو ملح الأرض.

ومن بين أبرز الأمثلة التي تدلل على تفاقم الأزمة، انحسار رقعة الأرض الزراعية في دولة مثل جمهورية مصر العربية من ستة ملايين ومائة وستة وخمسين ألف فدان في عام 2009 إلى ستة ملايين ومائة وسبعة عشر ألف فدان في عام 2010 بنسبة انحسار بلغت 0.6% في عام واحد، ذلك وفقاً لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وما خفي في دول أخرى كان أعظم.
فهل هناك من عاقل لينقذ الأرض من البوار والبشرية من الفناء؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.