المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن خيري العقرباوي Headshot

رحلتي مع القرآنيين

تم النشر: تم التحديث:

بدأ كل شيء في أثناء نقاشي مع بعض الأصدقاء حول مفهوم الحسد، حيث لم أكن مقتنعاً بتأثير الحسد أو العين على مصير الناس وحياتهم. كنت يومها أحاجج بالأدلة العقلية والمنطقية بينما صديقي يحاجج بمجموعة طويلة من الأحاديث النبوية التي تؤكد أثر الحسد المادي، ثم ختم كلامه ناصحاً إياي بعدم تقديم المنطق على النصوص المقدسة.

هرعت تلك الليلة إلى الإنترنت؛ لأبحث عن كل ما تحدثت به كتب التفسير والصحاح وآراء "كبار العلماء"، تنقلت ليلتها بين مئات المواقع والصفحات التي تناولت موضوع الحسد بين مؤيدين وناقدين وساخرين، وهو ما جعلني في حيرة عظيمة من أمري.

ظللت أتصفح تلك المواقع إلى أن توصلت لمقالة فريدة. كاتب المقالة -لا أذكر اسمه الآن- أنكر أي تأثير للحسد، وقد برهن على وجهة نظره بالفصل بين النصوص القرآنية والنصوص النبوية. فمن ناحية النصوص القرآنية بيّن وجود آية وحيدة تتحدث عن الحسد بشكل واضح، وهي "ومن شر حاسد إذا حسد"، وفي هذه الآية يعوذ المسلم من شر الحاسد وليس من الحسد؛ إذ إن الحسد مجرد تمنٍّ لزوال النعمة؛ ومن ثم لا يمكن أن يضر الحاسد المحسود إلا في حال رافق حسدَه "شرٌّ" مادي.

أما عن النصوص النبوية، فقد شكك كاتب المقالة فيها، ونفى أن يكون لها تفسير يعارض تفسير القرآن الكريم والعقل.

كانت هذه المقالة هي مدخلي لعالم القرآنيين.. المسلمون المؤمنون بالقرآن الناكرون للأحاديث النبوية؛ منهم من ينكرها جملة وتفصيلاً ويعتمد اعتماداً كلياً على فهم القرآن باعتباره مصدر التشريع الوحيد في الإسلام، ومنهم من يأخذ منها ما يوافق القرآن والمنطق ويترك غير ذلك.

التجأت حينها إلى القرآنيين وبدأت ألتهم كتبهم ومقالاتهم وأشاهد محاضراتهم ومناظراتهم على الإنترنت، وكنت يوماً بعد يوم ازداد إعجاباً بفكرهم، وخاصة لتلك المساحة التي يمنحونها للعقل وللمنطق بعيداً عن تقديس أقوال السلف والخلف.. وهو ما كنت أبحث عنه.

يؤمن القرآنيون بأنهم امتداد لفكر ديني كان له وجود منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وظل هذا الفكر يشكل جزءاً من المجتمع الإسلامي حتى برز بشكل واضح في مذهب المعتزلة.. لكن هذا الفكر لم يُكتب له الاستمرار نتيجة انتصار فكر أهل الحديث عليهم سياسياً؛ ما أدى إلى حرق كتبهم وإغلاق مدارسهم.

ما زلت أذكر رحلتي مع أعلام القرآنيين الذين كنت أتابع أغلب كتاباتهم، بداية مع الدكتور أحمد صبحي منصور مؤسس موقع أهل القرآن، الغني بالتدوينات والتفسيرات القرآنية لمختلف جوانب الشريعة الإسلامية بمنهج قرآني، وأذكر رسالته التي كنت قد قرأتها عشرات المرات والتي كان قد وجهها إلى شيخ الأزهر. كنت أعتبر هذه الرسالة مانفيستو المذهب القرآني آنذاك.

تابعت أيضاً بشغف شديد مقالات وكتب المهندس عدنان الرفاعي.. هو الآخر كنت أمضي الساعات في قراءة كل ما جاد به قلمه، بالإضافة أيضاً إلى كتب المهندس محمد شحرور، الذي حاول إعادة تفسير القرآن بمعزل عن الأحداث التاريخية وأسباب النزول التي ينكرها القرآنيون.

كانت صفحتي على الفيسبوك نافذة أتابع من خلالها كتابات الكثير المفكرين القرآنيين؛ كأحمد عبده ماهر الناقد لتهميش العقل الإسلامي في مقابل تقديس التراث والنصوص، وكذلك الكاتب حسن فرحان المالكي أجمل من كتب عن التعايش والإصلاح. والعديد من الأسماء التي إما ما زالت على قيد الحياة وإما اغتيلت وإما ماتت في ظروف طبيعية.

شكَّل لي هذا الينبوع الجديد من المعرفة صورة جديدة كلياً عن الإسلام والتاريخ، وبدأت أنظر إلى الأمور نظرة جديدة كلياً. فللقرآنيين تفسيرات تختلف عن نظرائهم، أهل السنة والشيعة، في أمور عديدة.

أُعجبت بهذا الفكر بدرجة كبيرة، لدرجة أنه أعاد تشكيل طريقة تفكيري، وقد تأثرت به بشكل واضح بحيث ظهرت آثاره في بعض المقالات التي نشرتها في بعض المواقع الإلكترونية، فلدى القرآنيين وجدت مرة أخرى إيماني الذي فقدته في بعض مراحل بحثي وهم من أعادوا لي حينها السكينة والراحة التي كنت أنشدها. أحببت المذهب القرآني لدرجة التعصب.
أعترف بأنني تعصبت حينها.. وقد حاربت ما كنت أسميه تعصباً بالتعصب.

لكن من سخرية القدر أن من منحني السكينة والإيمان هو ذاته من سلبها مني مرة أخرى.. فمع تعمقي في كتابات القرآنيين اكتشفت مدى الفوضى التي تعم مذهبهم وتفسيراتهم، فغياب المنهج والطريقة حرم المذهب القرآني من صورة واضحة وجلية تعبر بشكل واضح عن أفكارهم.

فعلى سبيل المثال، هناك تفسيرات عديدة ومختلفة بشكل كبير في مسألة صيام رمضان، واختلافات أخرى حتى في عدد الصلوات اليومية. فضلاً عن مسألة الإعجاز العددي الغريبة العجيبة التي يؤمن بها بعضهم. أما أكثر التفسيرات غرابة، فهي تلك التي تؤكد أن الرسول محمد عاش في بلاد الشام ولكن الأمويين زوروا التاريخ!

بدأ الشك يحل محل اليقين مرة أخرى.. وعدت مرة أخرى لرحلة بحث جديدة، لكن هذه التجربة قد أفادتني من عدة نواحٍ. أولاً، بتُّ على قناعة بأن القرآن الكريم يستحيل تفسيره وفهمه بمعزل عن كتب التفسير وكتب الصحاح وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ. ثانياً، أن عليَّ عدم التسرع في الحكم والتعصب للرأي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.