المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن خيري العقرباوي Headshot

ماذا لو تزوج عنترة؟

تم النشر: تم التحديث:

قرأت مؤخراً رسائل حب كتبها أعظم أدباء العالم عرباً وعجماً، يتفننون فيها بإظهار حبهم وعشقهم لمحبوباتهم بطريقة تسحر الألباب وبكلمات وتشبيهات رقيقة ومشاعر فياضة، لكن هذه الرسائل أثارت فضولي فقمت بالبحث عن سيرة كل عاشق من هؤلاء؛ لأعرف لمن بالضبط وجَّه رسائل عشقه.. إلى زوجته أم عشيقته؟ أبعْد الزواج أم قبله؟ وكانت النتائج كالتالي:

1- غسان كنفاني ذو القلم الثائر، كتب رسائله لعشيقته غادة السمان في الوقت الذي كان له زوجة وطفلان.
2- أنسي الحاج هو الآخر كتب رسائل حب لمعشوقته غادة السمان.
3- جبران خليل كتب أعذب رسائل الحب لمي زيادة ولمدة 20 عاماً من دون حتى أن يراها.
4- جان سارتر الفيلسوف الوجودي بعث برسائله لسيمون دي بوفوار والتي قد اتفق معها على الزواج بشرط أن يعيش كل منهم في منزل منفصل.
5- ليو تولستوي كانت رسائله الوحيدة موجهة لفتاة أحبها قبل زواجه بزوجته التي أنجبت له 13 طفلاً.
6- فلاديمير نابوكوف صاحب رسالة العشق المجنونة "أحب نطقك حروفَ العلة"، وجهها لعشيقته.

يمكننا أيضاً أن نضيف إلى هؤلاء قصائد العشق والغزل المشهورة للشعراء العرب الذين نظموا أعذب القصائد لعشيقاتهم بعيدات المنال كعنترة بن شداد، الذي كان ينظم قصائد عشقه في ميدان المعارك لمحبوبته عبلة التي لم يتزوجها، كذلك الأمر بالنسبة لقيس بن الملوح وغيرهما كثير من الشعراء.

أترى، لو تزوج غسان بغادة فور رؤيتها، أو عنترة بعبلة أو جبران بمي.. هل كان سيكتب أحد منهم ما كتب؟ لا أتحدث هنا عن الحب اليومي الذي يعيشه الزوجان والذي يتجلى كوُدٍّ واحترام متبادل؛ بل أقصد ذلك الهيام والوله والعشق المجنون الذي يتفجر قصائد ورسائل حب خالدة.
هل يختفي هذا الحب؟ أم هل يتبدل لشكل آخر؟ هل استطاع المأذون فعلاً تحويلنا إلى مجرد "أسماك مثلَّجة" كما يقول نزار قباني؟

هذا التساؤل كان كفيلاً بتدمير كثير من العلاقات الزوجية، فالزوجة تنتظر من زوجها عبارات الغزل اليومية التي كان يرسلها لها في أثناء فترة الخطوبة والزوج. بدوره، يفاجأ بأن زوجته لا تبدو عند استيقاظها من النوم كما كانت تبدو يومياً في الجامعة، هذه التوقعات وما قابلها من واقع جعلت العلاقات الزوجية في كثير من الأحيان تتحول إلى علاقات روتينية رتيبة تظللها الكآبة والملل، فجبران عندما كان يكتب رسائله لمي زيادة لم تتخلل حياتهما أي مسؤوليات وفواتير.

قادني البحث في هذا الموضوع إلى مقالة للطبيبة شونا سبرينغر والمتخصصة في علم نفس العلاقات الزوجية والتي تشبه فيها أعراض العشق بأعراض تعاطي جرعة من الكوكايين، والذي تتلخص أعراضه النفسية بتحسين المزاج والإثارة الجنسية وزيادة الثقة بالنفس والطلاقة في الحديث، بالإضافة إلى منح المتعاطي شعوراً مؤقتاً بالنشوة والسعادة.

لكن كما أن هذه النشوة تتلاشى، كذلك تتلاشى نشوة الحب تتلاشى، ولذلك فإن ما يميز العلاقات طويلة الأمد -بحسب الطبيبة سبرينغر- ليس نشوة الحب؛ وإنما حب البقاء بقرب الحبيب والانجذاب الجنسي والصداقة والرغبة في الاستقرار.

إذن، فالزواج لا يقتل الحب وإنما يبدّله ويغيّر مفهومه من قصائد ورسائل وشغف إلى احترام وصداقة وتفاهم وانسجام، هذه حقيقة علينا الإيمان بها والتعامل مع شركائنا على أساسها. على المقبلين على الزواج معرفة أن الزواج ليس بالسهولة التي يبدو عليها في التلفاز، فقبل الزواج ينتظر الطرفان بلهفة للقاء أحدهما الآخر، أما بعد الزواج فسيستيقظ أحدهما والآخر نائم بقربه يشخر!

هناك حب وعشق بعد الزواج، لكنه يتجاوز كونه مجرد عبارات غزل وقصائد غرام ويصبح صداقة وارتباطاً وشراكة والتزاماً.. وحباً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.