المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن جاد Headshot

حكاياتي مع حنين وريحانة "الفقدان"

تم النشر: تم التحديث:

في ليلة شديدة البرودة غزيرة المطر ركبت الباص مع زوجتي وطفلتي حنين وريحانة، ومع مضي الوقت ازدحم الباص بالركاب وعاش كل منهم مع حاله ومشاعره وما يشغل به باله، من بعيد ترقب عجوزا ينظر لشاب لا يزال يعبر العقد الثاني من عمره، ترى من نظراته حكايات الزمن التي مر بها العجوز مذ كان صبيا قبل أن تصل الشيخوخة إلى كل تفاصيل جسده النحيل وبجواره جلست امرأته التي تنظر إلى الفتاة التي قامت لها لتجلس هي مكانها، ترقبها، ترى فيها تفاصيل حياتها، طفولتها، صباها، شبابها، وشيخوتها.

محطات مرسومة لكل منا؛ متى يصل إليها؟ متى يرحل عنها ليصل إلى أخرى؟.. تنتظره في موعد لا يُخلف وتتسلل عبر كيانه بكل هدوء..
وسط هذه الأجواء استيقظ الجميع من حلمه ومشاعره على صوت قوي، انفجر الإطار الإمامي للأتوبيس وتساقط الجميع على أرضيته، بعدها وقف كل واحد يبحث عن رفيقه وربما عن حلمه الذي سقط وتركه في عالمه وعاد لحياته مرة أخرى؛ حياة كلها فراق وتلاقي فمن لاقيته فارقته ومن فارقته لاقيته!
إلقتطتُ طفلتي ريحانه من عربتها وبكائها وصراخها لا يتوقفان، الصغيرة التي أنارت بيتنا من شهرين تنظر كغيرها في وجوه العابرين وترى فيهم مستقبلا لم تفهم تفاصيله بعد، وربما لم تفهم لما يتبادلون معها تلك النظرات الباسمه.

استيقظت حنين التي راحت في نوم عميق منذ التحقنا بهذا الأتوبيس لتسأل أمها: إيه اللي حصل يا أمي؟ فقالت زوجتي الحمد لله؛ كنا هنموت يا حنين! فردت عليها حنين: معقولة يا أمي كنا هنموت؛ ومش هيبقى فيه أبي وأمي وريحانة ومش هعرف أروح حضانتي وألعب مع أصدقائي وألعابي؟
عددت صغيرتي كل ما تحب في الدنيا وكيف أن الموت سيفرق بينها وبينهم ومع كلماتها تذكرت كل من وما فقدت بسبب الموت أو بسبب الانقلاب العسكري الذي باعد بيننا وبين كثير.

أحمد عبد الجواد الصحفي بدار أخبار اليوم الذي مات وهو ينقل الحقيقة وولدي الذي لم أنجبه أحمد البلقا، كم كنت أرقبه يوما بعد يوما يعبر مراحل عمره؛ كم كنت أنتظر يوم زفافه ولكنه زُف إلى السماء قبل أن أحقق حلمي، أسامة حواس رجل الأعمال البورسعيدي وأصغر مدير فرع لأكبر توكيل ملاحي في العالم وعمر زكريا وإبراهيم محمود وطارق عاصم ومحمد عبد الشكور وعمر هريدي؛ كلهم فقدتهم بميدان رابعة في مذبحة الحرس والمنصة ويوم أن فضوا الميدان.

وهنا تبادر سؤال إلى ذهني هل عندما يفقد الإنسان كل ما يحب هل يمكن أن يقبل يوماً بمن قتل وسفك واعتقل وكان سببا في فقده هؤلاء؟ في رأيي أنا لا أستطيع وأخشى من الأيام أن تغير ذلك!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.