المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن الباجوري Headshot

قرَّب ما تخافش ما بيكهربش

تم النشر: تم التحديث:

منذ قرابة العشرين عاماً، كنت لا أزال أعمل بمهنة التدريس، وفي إحدى الحصص الاحتياطية أدرتُ حواراً مع تلميذاتي في الفصل -وعلى ما أذكر كان الصف الثالث الإعدادي- ومن باب الاستفادة بالوقت واستثماره سألت التلميذات عن مناسبة كنا نمر بها في تلك الأيام: لماذا نحتفل بـ"ليلة النصف من شعبان"؟

فوقفت إحداهن وقالت: هو اليوم الذي نجّى الله فيه سيدنا موسى من فرعون.. ولم أجد أحداً متعجباً من الإجابة داخل الفصل غيري، ثم كررت السؤال مرة أخرى، فإذا بإجابات جاءت على ألسنة التلميذات ما أنزل الله بها من سلطان.

أخذت الخط الخطأ المعتاد، الذي نأخذه جميعاً في مثل هذه المواقف، وهو التوبيخ الحاد، مع التذكير بحفظ أسماء المغنين والمغنيات، وقصص حياتهم وتلميذات الفصل كلهن سكوت حتى انبرت إحدى التلميذات واقفة، وبدا عليها ملامح الاستفزاز من كلماتي وتحدثت قائلة:

لماذا توبخنا نحن يا أستاذ -وكان لفظ مستر لم يكن شائعاً في هذه الفترة، إلا في مدارس اللغات- نحن لم نجد من يعلمنا أمور ديننا ورفضنا، سوف نعطيك عناوين بيوتنا، واذهب إلى آبائنا، وقل لهم كلمات التوبيخ تلك، سكت قليلاً، واستفقت بعدها، وقدمت لهن اعتذاراً بعد أن علمتني هذه التلميذة درساً لم أنسَه.

من وقتها وبدأت أعرفهن ما هي "ليلة النصف من شعبان"، وما حدث فيها وما فضلها؟

ومرت سنوات، قابلت فيها الكثير من الرجال والنساء على درجة عالية من الثقافة والمعرفة، وجدت أغلبهم لثقته في أفكاره، وقراءاته، ومعرفته، يدافع عما يؤمن به بشدة.

ولِمَ لا؟ وهو القارئ المطلع الذي حاضر للدورات والندوات، والمشارك في الكثير من المؤتمرات، المخالط للكثير من المشاهير أصحاب الفكر والرأي، ولكن إذا جاء الحديث عن أمر من أمور الدين، لم يجد غضاضة أن يعلنها دون أدنى خجل أنه لا يعرف في الدين؟

وبالاقتراب من بعضهم، وجدتهم لا يحاولون الاقتراب من القراءة، في أمور الدين، ولو من باب الثقافة، وخصوصاً المعارف التي تتعلق حتى بفقه الحياة اليومية.

يقرأ بعضهم في خلاف الفقهاء، أو في خلاف معاوية والحسين، وفى المذاهب والملل، أما "فقه الحياة اليومية"، فأكاد أجزم أن الكثير منهم لا يقترب منه أبداً.

كأن بعضهم يخشى أن يقترب ويقرأ فيه، فيعرف ويؤنبه ضميره من الحين للآخر أنه مقصر، وكأنه من الأفضل له ألا يعرف، ويعذر نفسه بين الحين والآخر بهذا السبب.

بل، وأرى الكثيرين يهربون من المعرفة، إذا أتت في حديث مع الآخرين فيقلب الحوار إلى مزاح هروباً من الاقتراب من المعرفة.

ولهؤلاء أقول: اقتربوا، وتثقفوا في دينكم، "قرّب ما تخافش ما بيكهربش".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.