المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن المحتوشي Headshot

أزمتنا.. أزمة إنسان

تم النشر: تم التحديث:

كلما نظرنا حولنا وأعدنا استكشاف منسوب الرداءة الذي نتعايش معه وحجم الانحطاط الذي نعايشه والمستوى المتقدم للتخلّف الذي نعيشه، صببنا جام غضبنا على السلطة فنَسخط عليها كثيراً وعلى أصحابها أكثر.

كتب لنا في هذه البلاد أن نصادف المشاكل أينما حللنا: في المستشفى وفي المدرسة، في الإدارة وفي المحكمة، في الشارع العام وفي وسائل النقل، في البر والبحر.. وربما في الجو أيضاً.

غير أن الكثيرين منا وجدوا لذة في انتقاد السلطة وأهلها، فما كلفوا أنفسهم الجهد اليسير لفهم جذور الأزمة التي ضربت في أعماق المجتمع وأضحت أزمة إنسان بلا منازع.

في هذه السطور أحاول بسط الفكرة من خلال سرد 8 أمثلة من أمثلة كثيرة من واقعنا المعيش التي نصادفها في الكثير من الأحيان:

1- محمد:

طبيب أخصائي في أمراض الجهاز التنفسي، رصدت له الدولة الكثير من الإمكانيات منذ نيله شهادة البكالوريا إلى أن تخرج في كلية الطب بعد 11 سنة من الدراسة، عين طبيباً بالمستشفى الإقليمي لتاونات.
محمد يعمل في مقر عمله ساعتين يوم الاثنين ويمضي بقية أيام الأسبوع في مصحة خاصة بفاس الأمر الذي يجعل من المواعيد تتراكم لتكون بعد أشهر وأحياناً بعد عام.

2- أحمد:

قاض خريج الجامعة العمومية، وفرت له الدولة راتباً محترماً وتعويضات سكن وغيرها، غير أنه نسي القسم الذي أداه فما عاد يقف إلى جانب المظلوم، بل إلى جانب مَن يدفع أكثر.

3- عبد الصمد:

موظف بجماعة ترابية، يلتحق بمقر عمله في التاسعة والنصف ويغادر في الثالثة بعد الزوال، في يوم الجمعة يغادر عبد الصمد مقر عمله على الساعة الحادية عشرة ولا يعود إلا في بداية الأسبوع الموالي بحجة صلاة الجمعة.

4- سعيد:

محام بهيئة من هيئات المحاماة، يقصده الناس قصد الترافع من أجلهم في نزاعاتهم، سعيد يتصل بالطرف المنازع لموكله، يتسلم من عنده مبلغ مال فيتهاون في إعداد مرافعة جيدة لموكله الذي يخسر القضية ولو كان صاحب حق.

5- كريم:

أستاذ للتعليم الثانوي التأهيلي منذ عشر سنوات، كان آخر كتاب قرأه كريم في سنة تخرجه، فإضافة إلى غياباته الكثيرة المعللة بشواهد طبية وقعها طبيبنا أعلاه، لا ينجز كريم الدروس عندما يحضر في القسم بل يناقش كرة القدم وما استجد على الساحة من مسلسلات.

6- جواد:

مهندس يشتغل في إحدى مندوبيات التجهيز، فوتت صفقة إنجاز طريق إقليمية لمقاولة من المقاولات وفق دفتر تحملات معين، بعد انتهاء الأشغال التي لم يحترم فيها المقاول ما تعهد به في دفتر التحملات، سلم لجواد رشوة ليوقع له شهادة مطابقة الأشغال المنجزة للمتفق عليه.

7- رشيد:

رئيس جماعة حضرية، ينجز صفقات بأثمان غير حقيقية مقدما رشاوى لأصحاب المقاولات، إضافة إلى هذا فقد أمطر خلال عهده الجماعة برخص بناء غير قانونية مقابل رشاوى يستلمها من المواطنين، لم تنتهِ ولايته الرئاسية إلا وقد تحولت الجماعة إلى أرخبيل من السكن العشوائي.

8- معاذ:

قاضٍ بالمجلس الأعلى للحسابات، كلفته الدولة بمراقبة اختلالات المذكورين أعلاه، لكنه كلما وجد اختلالاً طلب من أجله رشوة ليقدم تقريراً مفاده: العام زين.

كل هذه الأمثلة المذكورة أعلاه هم أشخاص ينتمون إلى هذا المجتمع، كانوا قبل وصولهم إلى مناصبهم ينتقدون الوضع ويسخطون بدورهم على السلطة، وربما هم وقحون جداً وما زالوا ينتقدون الوضعية ويقدمون دروساً في العفة المهنية.

هذه الأمثلة غيض من فيض، تبين بالملموس أن الأزمة استفحلت وأنبتت جذوراً متينة في الضمير الجماعي لمجتمعنا وأنها أزمة إنسان بامتياز.

قد يقول قائل إن ضعف المراقبة هو الذي أزم الأزمة أكثر، غير أن المراقِب (بكسر القاف) ليس أفضل حالاً من المراقَب (بفتح القاف) ما دام ينتمي إلى نفس المجتمع الذي بدت عليه علامات المرض وهو في وضعية متقدمة.

وقد يقول قائل آخر: إن الدولة تعمدت ضرب التعليم، الأمر الذي أنتج لنا بشكل مباشر هذه الأزمة وهو كلام فيه شيء كثير من الصواب، غير أن قرار الدولة هدم التعليم وجدت له من أبناء هذا المجتمع من سخروا أنفسهم معاول هدم متفانية.

لا أسعى من خلال كلامي هذا إلى أن أبحث للسلطة عن صك براءة، بل على العكس من ذلك لها مسؤولية ثابتة ما دام أهلها من مجتمعنا، الذي ساءت حالته وتعفن جرحه فأنتج لنا أزمة متأزمة عنوانها: أزمة إنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.