المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن باجابر  Headshot

عن الشر في النفس البشرية

تم النشر: تم التحديث:

كلنا يتذكر بعضاً من تلك الصور البشعة للتعذيب في سجن أبوغريب، ونذكر استهجان العالم أجمع لها. لكن الحقيقة هي أن أيّاً من الذين استنكروا ذلك الفعل.. قد يرتكبون ذات الانتهاكات وربما أشد، إذا توفّرت الظروف نفسها التي توفرت للجنود في سجن أبوغريب حينها.

ما هي تلك الظروف؟
لنفهم تلك الظروف دعونا نعود للعام 1971 حينما نشر طلاب من جامعة ستانفورد إعلان في صحيفة محلية أميركية يطلبون فيه متطوعين لدراسة عن حياة السجون لمدة اسبوعين بمقابل 15 دولارا في اليوم (كان مبلغاً جيدًا جداً حينها). تقدم الكثير لكن الاختيار وقع على 24 شخصاً جامعياً من الطبقة المتوسطة ممن لا يعانون أية مشاكل نفسية أو بدنية. ثم تم تقسيمهم إلى سجناء وسجّانين بشكل عشوائي. أُخبر السجناء بموعد بداية التجربة لكنهم تفاجأوا بالشرطة وهي تقبض عليهم أمام أهليهم وجيرانهم. كانت الشرطة متعاونة في التجربة. تم تسليمهم إلى من تم اختيارهم كسجّانين وكان أول ما فعلوه بالسجناء أن جرّدوهم من ملابسهم تماماً وأخذوا كل ما لديهم حتى النظارات الطبية واُعطوا كل سجين ثوباً رثًّا لا يصل إلى الركبة، وعلى كل ثوب رقم.. هو اسم السجين. كل هذا تم بمراقبة من قبل الطلاب مع أستاذهم الدكتور فيليب زيمباردو عبر كاميرات وضعت في السجون وفي الممرات.

لم تكمل التجربة الستة أيام حتى أنهاها الدكتور فيليب بعدما رأى وصول السجّانين لمراحل متقدمة جداً في تعذيب السجناء جسدياً ونفسياً خصوصاً بعد محاولات التمرد التي كانت نتيجة لتوحّش السجّانين منذ البداية.. منذ تعريتهم من الملابس! حتى أصبحوا مستسلمين لسجّانيهم تماماً.
بل حتى الدكتور فيليب نفسه بدا وكأنه يستمتع بمقابلة السجناء وبما يرى عبر الكاميرات -كونه أعلى سلطة في السجن- لكن إحدى أعضاء فريقه واجهته بالأمر ونبّهته بالكارثة التي قد تقع إن استمرت التجربة.

كان تجاهل مراقبة السجّانين مع إعطائهم السلطة والقوة المادية والحرية في استخدامها هي السبب في سلوكهم العدواني -رغم أنهم لم يظهروا أي سلوك مشابه خلال حياتهم قبل ذلك- ولم تكن إدارة السجن العليا (متمثلة في الدكتور وطلابه) طلبت منهم ممارسة التعذيب صراحة لكن بالطبع جعلت لهم إدارة المكان بشكل كامل وطلبت منهم القضاء على أي حركة تمرد بدون استخدام الضرب. وحينما تم استخدام الضرب للمرة الأولى.. تجاهل الدكتور ذلك، مما جعلهم يتمادون في تعذيبهم للسجناء حتى وصل الأمر للتحرش الجنسي!

ما حدث في سجن أبوغريب مشابه لهذه التجربة، فحينما أرادت وزارة الدفاع الأميركية معرفة بعض مثيري الفوضى والتمرد في السجن وضعت السجناء في قبو سجن أبوغريب ليبعدوهم عن أعين الـCIA حتى يسهل تجاهل ما سيحدث، وسلّمتهم لهؤلاء الجنود وطلبت منهم استخراج معلومات من السجناء عن التمرد والفوضى وشددت في ذلك.. فكانت النتيجة ذلك التعذيب الذي نشر في ألف صورة.. قيل إنها أُخذت في ليلة واحدة!

ثم ظهر رامفسيلد على الشاشات مذهولاً مما رآه.. ربما لأنه لم يتوقع من جنوده مثل هذا الرغبة في التعذيب رغم أنه هو من دفعهم لذلك.

لا ينطبق هذا في السجون فحسب بل ينطبق على أي شخص متى ما توفّرت الظروف من سلطة وقوة مادية وعدم مراقبة. وهكذا يتحوّل القائد السياسي إلى رجلٍ طاغية رغم كل الذي كان يقوله عن الديمقراطية والرأي الآخر قبل انتخابه، وهكذا يتسلّط مدير الشركة على الموظفين رغم أنه كان واحداً منهم ويشتكي مثلهم من تسلّط الإدارة قبل ذلك، وكذلك يتفنن الزوج في ضرب زوجته رغم وعوده لها بأن يكون زوجاً صالحاً، وهكذا أيضاً يتسلى ذلك المعلم بضرب الطلاب الصغار رغم أنه يدلل أطفاله كثيراً.

فإن كان هذا التحول قد يحدث لأي شخص في أي مرحلة أو مكانة فما الذي يمنعننا عنه ويردعنا إذن؟
لا أرى أي رادع أقوى من الإيمان والتذكر الدائم بمراقبة الله عز وجل لنا في أي الأماكن والمناصب كنّا من أكبرها إلى أصغرها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.