المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. أيهم زيباري Headshot

"أوراق شجر الخريف"

تم النشر: تم التحديث:

قديمًا قيل: "الحياة هي الذكريات، والذكريات هي الحياة"، يعيش الإنسان في ذكرياته، يتعلق بالجميل منها بكل ما ينبض به من حياة، تهيج كل ما يحمله المرء في قلبه من مستقبلات حسية للمشاعر الصادقة، تستثير دمعه، تغوص به في أعماق ذلك الحنين ... المنزل الذي نشأ فيه، المدرسة التي تتلمذ بها، سور المنزل القديم، وحرارة المدفأة المهترئة، صوت المؤذن العليل، ودكان الحي والحلوى المفضلة. سر الاسترجاع والحنين لهذه الذكريات هو ما تضفيه على النفس من كل هذا البشر والسرور، وفي المقابل وبسلوك لاشعوري "تحاول" أدمغتنا جاهدة القيام بعملية نسيان لكل ما هو سلبي وغير مريح في ذكرياتنا، وذلك عن طريق إخمادها، أو استبدالها بما هو سعيد وجميل..

تحاول ! ...

تفشل المحاولات في بعض الأحيان ...

بين كل فصول كتاب ذكرياتنا المزدحم، يبقى ذلك الفصل غالبًا هو المفضل، فـَصْلٌ يحكي حكاية تلك الشجرة التي جمعتنا تحت ظلالها مع أخ شقيق، أو صديق، أو رفيق. غـُرسَ أصلها بصدق المودة، وسقيت جذورها بطيب الوصل، ونـَمتْ وأزهرت ثمارها حبـًّا وإخاءً لا تذبل معها أوراقها بخريفِ الهجر، أو فقدٍ لماء.

جميل هذا الفصل بكل ما يحويه، أليمٌ على النفس أن تشيحَ بوجهها عنه، عزيز عليها مراجعته، يهيجها أنينُ ذكرياتٍ مضتْ، وأيام خلت ... تطوف على آثار خطواتِ مناجاةِ الفجر، ولطائفِ سمر المساء، تـُرهفُ سمعها لابتهالات ليلة القدر، وترتيلِ آي غافر والأنبياء. صِدق في النصيحة، ودوام على السؤال، أنسٌ في الوحشة، وطيبٌ في المقال. نرتقب ذكرياتنا تلك في أحلامنا فكأننا نلامسها ونعايشها من جديد، كما يقول الطنطاوي -رحمه الله-: " في الحلم يغفل العقل، أيْ يغيب الرقيب، فتنطلق الأماني المحبوسة وتتكثف وتتجسّد أمامك حتى تحسّ بها، تراها، تلمسها، تكلمها، تعيش فيها.. كل ما كنت تتمناه تراه قد جاءك من غير أن تمدّ إليه يدًا أو تخطو إليه بقدم. إن كنت فقيرًا تتمنى الغنى تدفّق عليك المال، وإن كنت عاشقًا بلغت الوصال.. تشعر أنك تطير على ظهر الرياح بلا طيارة ولا جناح".

أيها الوجدان سافر وارتحل عنا سنينا
لا تزر في النأي طيفًا يطلب الذكرى شجونا

و" إِيِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ..." كان -رضي الله عنه -إذا أوى إلى فراشه وسَكنَ جسده للراحة، اضطربت روحه من بين جوارحه، واشتكت وأنَّت شوقا لذلك الصفاء، جاء في "الزهد" للإمام أحمد عن الحسن "أن عمر -رحمه الله- كان يذكر الأخ من إخوانه بالليل، فيقول:
"ما أطولها من ليلة؟!" فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه، التزمه، أو اعتنقه".

تجلٍّ لطيف لحقيقة "حنين الذكريات"، يكشفه لنا عمر -رضي الله عنه- ولِما يمكن أن تفعله هذه الحقيقة بالنفس البشرية مهما ظهرت عليها معالم الحزم والشدة؟!، هذه الحالة الوجدانية هي نفسها التي أصابته يوم وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولربما يوم وفاة أبي بكر كذلك،،

أتخيل كم من ليلة قضاها يستعرض فيها طيف ذكرى صاحبيه؟!
تلقيه للوحي ينزل من السماء على لسان النبي..
سباقه مع أبي بكر في أبواب الخير..
تجولهم في أزقة المدينة..
مبيتهم ليلة بدر..
غزوهم يوم خيبر..

لكل منا ذاك الصاحب الذي عشنا وتقاسمنا معه لحظات العمر وسنينها بحلوها ومرها، حظينا به في سعينا الفطري للحصول على أحد مقومات الحياة التي لا تستقيم إلا بها، يقول الطاهر بن عاشور -رحمه الله: "والله بنى نِظَامَ هذا العَالمِ على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يَأمَن أفرادُ الإنسانِ بعضُهم بعضاً تَنَكَّرَ بعضُهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم، والله لا يحب الفساد ولا ضُرَّ عبيدِه"، كما يرشد إلى ذلك سؤال موسى -عليه السلام- لربه في أول خطاب جليل معه -تعالى-، لحظة تكليفه بالرسالة، وتوليته زمام القيادة: "واجعل لي وزيرًا من أهلي هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي"، ليأتي التأييد الإلهي: "سنشد عضدك بأخيك".

ليكون سندك في الشدة..

و عونًا لك في المصيبة..

ودليلًا إلى كل خير..

تعددت النصوص التشريعية المفعمة بالطابع التحفيزي لذلك النوع من العلاقات الإنسانية، لتعتبره جزءًا ركيزًا في البناء الحضاري، وأساسًا للحفاظ على البنية الاجتماعية، فأطرت ما يترتب على هذه العلاقة من حقوق وواجبات، وبينت ثمارها على مستوى الفرد ومحيطه الذي يعيش به. وحددت أنواعها ومقاصدها ودوافعها..

فمِن معَوِّق عن كل خير "قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ "..

ومضل مفسد "قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ؟!"..

إلى روح طيبة عمرت جسدًا يؤنس من جالسه، ويصفو فؤاد من خالطه "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"..
فلا قيام لمجتمع حضاري ضمن معايير المنهج القرآني دون وجود هذه الرابطة التي تـُنـْشِئ ُ بمدى واسع ومتماسك أواصرَ حبٍّ وتآلفٍ متينة بين أفراده، تقودهم لضرب أروع الأمثلة في "فناء" الأخ في ودِّ أخيه، وحتى نفهم ونعي ذلك علينا بداية أن نغرس في نفوسنا أن ما درسناه وقرأناه وتعلمناه من قصص الحب والمؤاخاة بين أفراد الجيل الأول ليست من روايات الأساطير ولا ضربًا من ضروب الخيال وفلسفة "المدن الفاضلة"، بل ما أولئك إلا بشر خوطبوا بما خوطبنا به نحن، بذلك المـَنّ الرباني على عباده "فأصبحتم بنعمته إخوانا"، لكن الفرق بيننا وبينهم هو آلية تلقي هذا الخطاب السماوي وإسقاطه ككل على تفاصيل حياتنا.. استرداده من أن يُـتَـناولَ في قراءة وتلاوة لا تجاوز الحناجر، إلى "نور وهدى" في حركة الحياة المستمرة.

"اللهُ لطيفٌ بعباده" ... لطيف بتلك القلوب التي غمرها بروضة المحبة فيه؛ أن يقرها بسعادة الوصال في الدنيا، وطيب المآل في الآخرة. قلوب قطعت الدروب معا لتعيش أجمل ذكريات العمر، ثم يحين موعد القدر، فتتفرق الإجساد لتبقى الأرواح متصلة، تتغنى بيوم اللقاء الموعود، وتشدو بيقين بن رباح في لقيا الأحبة، تغدو وتروح في نعيم ذلك الحب، حب في الله-تعالى-، حب لن ولم يكن أبدًا كأوراق شجر الخريف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع