المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. أيهم زيباري Headshot

الإنـــسانُ... يختار "الحــياة "

تم النشر: تم التحديث:

بلغت ما يقارب العقدين والنصف من العمر ولم تسمح لي الظروف أو تكتب لي الأقدار أن أرى موطني العراق وبالأخص بلدتي عقرة وما جاورها من مدن إقليم كوردستان العراق، كان الشيء الوحيد الذي يصلني من هناك هو قصص الموت والدمار، وأخبار آثار القصف المدفعي ودمار السلاح الكيماوي ونزوح السكان القسري.

شكل كل ذلك صورة قاتمة سوداء في ذهني عن الوضع العام للمنطقة هناك، والتي بقيت عالقة حتى ومع انتهاء حقبة التسعينيات الكبيسة التي لم يسلم من نائباتها لا الحجر ولا الشجر ولا البشر سواءً في العراق كله، أو في مدن إقليم كوردستان تحديداً.

تمر الأيام وتذهب الأسفار بي قبل أعوام قليلة إلى كوردستان العراق، إلى مسرح تلك القصص والحكايا، والتي للأسف كان أغلبها "واقعياً" يؤدي الأدوار الرئيسية فيها غالباً "الأطفال" فقط، ويعاد بثها يومياً على مدار الساعة على أثير تردد كلٍّ من فلسطين وسوريا.

أستطيع أن أصف ما عايشته هناك منذ الوهلة والنظرة الأولى، بكلمة واحدة، كلمة واحدة تسطر تحتها الكثير الكثير، إنها "الحياة"، ليست الحياة في مولدها الجديد، بل هي الحياة في صراعها وتبديدها لغيوم الموت وظلام البؤس والجمود، الحياة تدب من حولك في كل مكان في الأسواق وفي الحدائق، في المراكز، في الأحياء والطرق، رغبة جامحة لدى السكان في تجاوز تلك الحقبة، في بذل سبل منع توريثها للجيل القادم، في السعي لظروف معيشة أفضل وحياة كريمة.

لا نجزم بذلك بلوغ تلك المنطقة أعلى درجات التنافس العالمية في تحقيق الرفاهية وتلبية الحاجات والمتطلبات الخدمية وغيرها من مقومات الدول والحضارات النامية، لكن أقل ما يمكن أن نحكم به هو اتخاذ الخطوة الصحيحة الأولى في طريق الاستجابة للنداء الفطري للإنسان في حقه ورغبته وتعايشه مع "الحياة"

هذه التجربة وغيرها من التجارب التي شهدها العالم ترسخ الاعتقاد في تلك الفطرة، بكل ما تحمله من معاني سامية، من إعمار بمعنييه المادي والمعنوي، من تنشئة الإنسان ورعايته جسدياً وروحياً وتربوياً، من المحافظة ورعاية كل ما دب به الروح ونبتت به الأرض وأسقطته السماء. أكدت عليها جميع الكتب والشرائع السماوية، وجاء الإسلام فتممها وأحياها من جديد في نفوس أتباعه، بعد أن كادت تندثر في وحل ونتن الجاهلية، وعبودية البشر للبشر.

الفطرة تلك ذاتها التي خلصت الفرنسيين من ظلم وهيمنة الكنيسة، وأيقظت اليابانيين من صدمة القنبلة النووية، وأوقدت الأمل في نفوس البوسنيين في بناء دولة السلم والتعايش، ودفعت بنيوزلندا لتتربع على عرش أكثر الدول أماناً واستقراراً في العالم.

لا نرمي فيما نقول أن نقوم بعملية نسخ ولصق لتلك التجارب، بل نحن كشعوب لدينا جميع المقومات اللازمة لننعم بنتائج هذه الفطرة التي أودعت في نفوسنا بقدرة الخالق، يمكننا أن نستفيد من الخبرات، وأن نقف على الوسائل والأسباب، لكن العبث في أقبح صوره هو عندما نستبق النظر إلى الثمرات والحصاد لنستنسخها كما هي في قالبها وشكلها.

تنقسم شعوبنا أفراداً وجماعات في التعاطي مع المفهوم الفطري للحياة، منهم من يلجمها بلثامه الأسود ثم ينحرها بسكينه الخبيثة، وأخيراً يدفنها في أجساد ضحاياه الهامدة، ومنهم من آمن بها واستشعرها في جوارحه وفؤاده لكنه وللأسف توقف عند هذا الحد، توقف عند الإيمان فقط، إيمان بالقلب دون عمل بالجوارح، والصنف الثالث جمع بين الإيمان وإرادة العمل لكنه ضل عن السبل الصحيحة السليمة والمنهج القويم في تحقيق غاية هذه الفطرة.

الأصناف الثلاثة الأخيرة تلخص أهم عناصر تشغيل تلك الهبة الربانية:

الإيمان، الإرادة، الوعي

الإيمان: ضروري لقناعة الفرد بأنه يملك تلك الميزة، يحملها بين طيات روحه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

الإرادة: الدافع المحرك والوقود المشغل لها، لن نفعل ونعمل إلا إذا كنا نريد، نريد، لكن "بصدق ".

الوعي: خارطة الطريق، والبوصلة التي تقي من الضياع في عاطفة زائفة أو في حماسة مهلكة.

في التأمل بكل تشريع نص عليه الإسلام، في جميع مقاصد الدين التي نزل بها الوحي من السماء، كلها مجتمعة تدور في فلك رعاية وصون واستقرار حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، سواء تم الوقوف على ذلك بقاعدة "غرس الفسيلة" الذي نصت عليه السنة النبوية، أو بآيات "إعمار الأرض وإحيائها" التي جاءت في كتاب الله عز وجل.

حتى عندما يدعو الدين إلى أن يبذل المؤمن نفسه وروحه في سبيله لرفع ظلم، أو دفع أذى، أو استرداد حق، تجد أن المحصلة تعود لبناء وتمهيد الحياة الهانئة لمن بعده، بل وتعود عليه هو نفسه... ليطير بنفس تلك الروح إلى حياة أخرى... هي لربما خارج إطار الوصف وفوق كل تعبير.