المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. أيهم زيباري Headshot

"مَعَ" كلِّ رجلٍ عظيم.. امرأةٌ عظيمة

تم النشر: تم التحديث:

التفريقُ بين ما يسمى بالـ"العادات والتقاليد"، والتشريع، وما يقع تحت مظلة الحلال والحرام، يعد من أهم علامات النضوج الفكري والحكم السوي، ومع وجود الفارق الكبير بينهما، إلا أن الخلطَ بينهما بشكلٍ متعمد كان وما يزالُ أحدَ أهمِ وسائلِ الانتصار للنزوات والأهواء الباطلة بحجة وشماعة "هذا حلالٌ وهذا حرامٌ"، والدينُ من ذلكَ كله "براء".

المرأة.. أبرز ضحايا هذا اللبس والخلل الفكري، والتأملُ في أيِّ ظلمٍ أو بونٍ واقعٍ عليها لا يتعدى تشخيصه إلا أن يكون ذا حدين لذاتِ السبب، فإمّا جاثم على أحلامها.. آكل لحقوقها.. مذل لكيانها، مبررًا هذا الباطل كله بالالتزام بالنصوص المُنزلة والأدلة الصحيحة البريئة من هذا كله.

وإما ذئب استرجع لها سوق النخاسة من جديد، فلا من مفيد تضيفه، ولا غرس تزرعه إلا تَعَرّيها دعائيًّا بجانب المنتجات الصناعية، وعرضها مزينة أمام الجماهير في فواصل واستراحات جولات الملاكمة ومباريات كرة السلة لإضفاء أجواء الأنس والبهجة على تلك الجثث الحيوانية المريضة، وذلك في سعيهم على حد قولهم لتحريرها من أكبال أصحاب الصنف الأول؟!

حدثت أحدهم يوماً عن فضل "فلانة" عليه في إنجاز وفضل ما وصل إليه، فغضب لذلك غضباً شديداً، ونفح في وجهي غبار جاهلية غابرة واستحكمت على نفسه مظاهر كبر زائف، تحكي ضمنيًّا أن من قوادح الرجولة العرفان لتلك المخلصة المتفانية، أُمًّا كانت أم زوجة أو أختاً.

يقولون دائما "وراء كل رجل عظيم امرأة؟!"، البعض يعنيها بمعناها الظاهر المجرد فعلاً: "وراء" أن تعطي وتبذل فقط دون أن يكون لها ولو القليل من الامتنان والتقدير، "امرأة" نكرة ليس لها أو من نصيبها شيء من مكارم وثمرات ما ساهمت وبذلت به لتحقيق ذلك الإنجاز وصناعة ذلك الأثر.

لكن وللإنصاف هذا في الغالب ليس في قاموس العظماء المؤثرين على امتداد تاريخ البشرية قديماً وحديثا، القارئ المطلع لسير هؤلاء يرى جليًّا وقوفهم بتواضع مع فيض صادق من جميل العبرات والكلمات عند ذكر ذاك الشريك والسند المتين لأحلك الظروف وأشد المصاعب، عن تلك اللحظة التي تخلى الجميع فيها عنه إلا تلك الروح الطاهرة التي حفته بكل ما تملك وبكل ما يمكن لها أن تقدمه لإنجاز ما تعاهدا على إنجازه "معًا"، يدًا بيد، "معية" لا "وراء"، ليس في فصلٍ عابرٍ من فصول الحياة، بل هو الامتداد لحياتهم معًا.. في كل الفصول بربيعها وخريفها، والأيام بحلوها ومرها.

سأتمثل لذلك من العصر الحديث ما يجلي للقلوب والأفهام أكثر وأكثر عن هذه المرأة العظيمة، التي لم تعرِ للشهرة أو النجومية اهتماماً، أو على الأقل لم يكن ضمن أهدافها السامية، في سبيل الوصول وتحقيق غاية عظمى لا يصنعها إلا "العظماء".

أحيت أميركا في الفترة الأخيرة ذكرى رحيل أحد أبرز قادة التحرر ومجابهة العنصرية بأبشع صورها، الرجل الذي حفلت حياته أكثر من مرة بما يمكن أن نسميه "التحول الجذري" لما اعتقد وآمن به.. من الإلحاد والضياع، ثم الإيمان المنحرف والعنصرية السوداء، وأخيراً إلى الإسلام والفكر الوسطي المستنير.

الرجل الذي وضع نفسه ضمن قائمة المجددين لمنهجية سياسة دولة عظمى كـ"أميركا" في تعاطيها واعترافها بالعرق الأسود ومساواتهم في الحقوق والواجبات كغيرهم من الأميركيين، وذلك بإرادته وإيمانه العميق بقضيته التي بذل لأجلها كل ما يملك حتى روحه التي بين جوارحه، إنه "مالكوم إكس" أو "الحاج مالك الشباز" كآخر اسم أطلقه على نفسه.

كأمر بديهي.. الحياة التي يعيشها هؤلاء عادة ما تكون "صاخبة!"، مليئة بالأحداث والمتغيرات، يضج معظمها بالمصاعب والشدائد.. بالنسبة لـ"مالكوم" أصدق ما يمكن أن تقرأه عن حياته هو ما ذكره وسرده هو بنفسه في سيرته الذاتية، والتي كتبها نقلاً عنه بشكل مباشر الكاتب الأميركي المعروف "إليكس هيلي".

تحدث فيها مالكوم عن حياته، عن طفولته المريرة، وأيام المراهقة وريعان الشباب التي قضاها في أقبح صور الضياع والفجور، كما كان حال كثير من السود نتيجة للبؤس والإقصاء الذي فرض عليهم من المجتمع الأميركي المسير لشؤون البلاد آنذاك والمحيط بهم، ثم دخوله السجن الذي أوصله إلى وسط المعترك النضالي للتحرر تحت مظلة جماعة أمة الإسلام المنحرفة، نهاية بانفصاله عنهم وقيادته وتأسيسه لمنظمته الخاصة التي سعى من خلالها لجمع جميع المناضلين السود تحت راية واحدة.

الأحداث والأوقات المفصلية في حياة مالكوم كان "للمرأة" الدور الرئيسي فيها، تارة كانت "أختاً" وتارة "زوجة"، الشخصية الصارمة الحازمة التي تمتع بها الرجل، لم تكن لتستطيع أن تقف بكبريائها أمام أدوار هؤلاء السيدات إلا بتواضع وعرفان جم، بل وإرجاع الفضل، إن شئت فقل "بأكمله" -بعد الله- إليهن.

يشرح الرجل بكل وضوح ضمنيًّا العلاقة المكملة التي يجب أن تكون بين الرجل والمرأة، بامتلاكها لبعد نظر في كثير من الأمور غفل هو عنها، أو بصبرها وقدرة تحملها المحيرة لألباب الرجال، أو الطاقة الإيجابية التي تملكها أيًّا كانت الظروف، لتحولها إلى هالة تحفيز تصيب بها كل من تعتقد بارتباط كيانها به، ووحدة المصير المشترك معه أخاً كان أم زوجاً أو أباً.

الأخت "إيلا"

في مرحلة الضياع والإلحاد.. لم يكن بوسع أحد تَقَبُّل هذا الشاب "الضال"، الجميع ابتعد عنه يأساً من أن يكون له أي قائمة مشرفة غير السجن والدمار، نظرة طبيعية لمن كان يلقب حينها بـ"الشيطان" لشدة انحلاله وفسوقه.

غير أن "إيلا" كان لها رأي آخر، كانت من الوحيدين الذين أبقوا على حبل للتواصل معه بشكل دوري ومستمر، كانت الوحيدة التي صدق بُعد نظرها وبصيرتها بهذا المراهق التائه، لم تتخلَّ عنه ولا حتى في أحلك الظروف، وعند دخوله السجن، كانت أول من زاره، وتعهدته بالزيارة الدورية ومساعدته بما يحتاج إليه من المال.

حمل هذه السيدة لصفات قيادية عظيمة جعلها تفكر في كيفية جعل "السجن" نقطة تحول محوري في حياة مالكوم، فكان الحل الذي ارتأته هو القتال من أجل ترحيله إلى سجن تربوي في ولاية "مساشوسيت"، والذي لم يكن فيه قضبان إنما حيطان بين جنباتها حرية أكبر، تعجُّ فيه الأنشطة الثقافية من قبيل الحوار والمناقشة، إضافة إلى الزيارات العلمية التي يقوم بها أساتذة البرامج التربوية من جامعة هارفرد وبوسطن إلى السجن.

كانت مكتبة ذلك السجن، التي امتلأت رفوفها بأكثر من 10000 كتاب، سجن مالكوم الجديد، حفظ معاجم اللغة، واستهوى قراءة كتب الفلسفة والتاريخ. يَذكُر مالكوم فيما بعد في رده على سؤال أحد الصحفيين في أحد خطاباته الرنانة، عن سر هذا الكم الهائل من الثقافة والمعلومات، وعن اسم الجامعة التي تخرج فيها؟ فأجاب "تخرجت في جامعة "الكتاب"!

بعد خروجه من السجن قام مالكوم بدعوة أخته إيلا إلى الانضمام إلى جماعة "أمة الإسلام" المنحرفة عقائديًّا، فاستجابت له وشاركته في النضال التحرري تحت مظلة هذه الجماعة، لكنها أثبتت مرة أخرى مدى تفوقها الفكري عليه بانشقاقها عن هذه الجماعة واتباعها الدين الإسلامي الصحيح، والذي بدوره كان له نفس الخطوة لكن بعدها بسنوات!

الوقفة المفصلية الأخرى لـ"إيلا" كانت بتكفلها بتكاليف حج مالكوم كلها، والتي كانت أول حجة له، مع أنها كانت تدخر هذا المال منذ سنوات لها لأداء ذات الفريضة. يقول مالكوم عن تلك الحادثة: "وهكذا وجدتني مع أختي إيلا لا تنفك تبهرني، كانت مقتنعة تماماً بأن حجي أهم من حجها".. وقد كان.

رحلة الحج لمالكوم كانت إيذانا بالانتقال إلى المرحلة الجديدة من النضال التحرري، نضال يدعو إلى وحدة الإنسان أيًّا كان شكله ولونه لوحدة أصله ابتداءً، نضال يدعو للإسلام كأحد أهم أدواء أميركا من سرطان العنصرية المستشري فيها. كللت جهود إيلا الصادقة مع أخيها بالنجاح، وأكملت ما بدأته معه بعد رحيله فكان لها إسهامات عديدة في المجتمع أهمها تأسيسها لمركز تعليم اللغة العربية للمسلمين في بوسطن.

الزوجة "بيتي"

كان يقول عنها مالكوم: "إنها مثال للمسلمة الصالحة". الدور الأساسي لإدارة شؤون مالكوم الاجتماعية، بل وسد أي طريق لمشاكل وعقبات كانت لتأتي من هذا الجانب من حياته. كان لـ"بيتي" الدور الرئيسي لمعالجته وحله، يذكر مالكوم عنها في مذكراته: "لقد استطاعت بيتي أن تنفذ إلى البواطن؛ فاستطاعت أن تفهمني، أنا أعرف أي امرأة لم تكن لتتقبل أن أعطي وقتي كله لمهمتي التي انتدبت لها، كنت نادراً ما أقضي بعض الوقت في البيت، وعندما أفعل أقضيه في العمل، فتوفر لي بيتي الهدوء لذلك، ولن أنسى العبارات الجميلة التي كانت تقولها لي عندما أحدثها من محطات القطار في أسفاري الدائمة، فتقول لي:

"إنـك حاضـر وأنـت غائـب".. ست بنات.. هذا ما تركه مالكوم لبيتي بعد رحيله.. لم تتذمر ولم تتقاعس عن المهمة التي فرضت عليها، لإيمانها بما مات لأجله زوجها أمام عينيها، فتولت رعاية بناتها، وأكملت مسيرة تعليمها في التمريض، ثم حصلت على الماجستير في الإدارة الصحية، والتحقت ببرنامج الدكتوراه في الإدارة التعليمية وتطوير المناهج الدراسية. واشتهرت في محيطها بنشاطاتها التطوعية والخيرية.

ما ذكر آنفا كان لمثال عابر بين العديد الأمثلة التي لا تكاد تحصر حول حقيقة الدور العظيم والرئيسي الذي تلعبه "المرأة" في أحداث التاريخ المفصلية قديماً وحديثاً. الكثير ممن يعانون بعض الأمراض الجاهلية المستعصية سيتوجهون "إليها" ليقولوا: كوني مثل "إيلا" و"بيتي"! نعم.. أحسنت يا صديقي.. لكن لتكن أنت أولاً مثل "مالكوم" عرفاناً ووفاءً و"رجولة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.