المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيهم قزعون Headshot

الجينات الخاصة

تم النشر: تم التحديث:

كانت الساعة تقريباً الواحدة ظهراً، كنت منهمكاً بترتيب بعض الأشياء المبعثرة على مكتبي حين أتت زميلتي مقترحة بنظرة تعلوها الملل أن نذهب لنتمشّى قليلاً بعد استراحة الغداء. وافقت على عرضها وطلبت منها أن توافيني عند باب المصعد بعد خمس دقائق ريثما أنتهي من محاصرة أوراقي في إحدى الملفات.

عندما خرجنا من مدخل البناء وبدأنا نسير على الرصيف المشمس، شعرت بشيء من الارتياح؛ كنت أخشى من حر شهر مايو/أيار، لكن هذه السنة يبدو أن الصيف متأخر قليلاً.

أخذنا نسير باتجاه جامعة القديس يوسف من دون أي هدف محدد، أخذت صديقتي تخبرني بلهفة عن الكثير من الأشياء، عن مخططاتها بالسفر والانتقال للعيش في دبي، عن حرقتها لمقابلة خطيبها هناك، عن المنزل الجديد والأولاد.. كنت أسير واضعاً يدي في جيبي بنطالي أستمع لها بإحدى أذني وأهز رأسي متمتماً بالموافقة بين الحين والآخر. ثم جعلتني بعض الأزهار الصغيرة التي كانت تلاحق بعضها بشكل دائري وهي تركب فوق الرصيف آخر نسمات الربيع، جعلت عقلي ينفصل عن الواقع كعادته ليفكر بمائة ألف فكرة في نفس الوقت، وأخذ صوت صديقتي بالتراجع حتى اختفى تماماً.

أخذت أسترسل في إحدى الأفكار وعن سبب جلوسنا في مكاتب ضيقة خلف الزجاج العازل للضجيج معظم حياتنا، نجلس منتظرين فرصة للحياة بينما الحياة كلها تحدث الآن خلف هذه النوافذ المربعة.

حتى إنني قررت بشيء من الغضب بأني أكره أي شيء فيه شكل مربع أو مستطيل، وأن منزلي الذي سوف أبنيه في أحد الأيام سوف تكون نوافذه مقنطرة جميعها.

تابعنا مسيرنا حتى وصلنا إلى بوابة الجامعة؛ حيث كانت هناك آلية متفحمة الأطراف من تعبيد الشوارع ونثر الإسفلت هنا وهناك.
كانت المدحلة مركونة بجانب الرصيف وخامدة تماماً.

توقفت قليلاً عندما رأيتها فلقد كانت من الأشياء النادرة في لبنان، عندها مرت سيدة بدت لي أجنبية مع طفليها اللذين تتراوح أعمارهما بين التاسعة والثالثة عشرة من العمر، سألها أحدهما بالفرنسية عن هذه الآلة الغريبة مؤشراً بسبابته باتجاهها، أخذت الأم تشرح لهما بالتفصيل عن كيفية تعبيد الطرقات ونشر الزفت، وأن هناك آلة أخرى سوف تضغط الزفت لجعل السطح مستوياً.

وقفنا أنا وصديقتي نستمع للحديث من دون أن نتفوه بكلمة؛ كنا حقاً نستمتع بالشرح الدقيق وبطريقة الكلام المعبرة.

ختمت السيدة الفرنسية حديثها بنقطة مهمة أثارت عاصفة من الأسئلة لديَّ، قالت السيدة لطفليها: "إن وراء هذه الآلة عمالاً يعملون لساعات طويلة يومياً وهم يتحملون الحرارة والأبخرة السامة لجعل الطرقات أكثر أمناً لنا، وعلينا أن نشكرهم ونحترمهم بسبب القيام بهذا العمل الهام"، ثم تابعت الأسرة الصغيرة طريقها.

جاءت ذاكرتي لترسم صورة المدرسة ومعلمتي فيها حين كنت بالصف السادس الأساسي، حينها قالت لنا بأن من لم ينجح منا هذا العام سوف يكبر ليصبح زبالاً (عامل نظافة)، وفي الصف التاسع نفس الرواية، وعندما وصلت إلى صف البكالوريا وجّه لي والدي تهديداً مشابهاً، بأنني سوف أصبح عاملاً في ورشة ما إذا لم أنجح.

من هذا المنطلق لا بد أن يكون هذا العامل شخصاً فاشلاً تماماً ويستحق الشفقة عوضاً عن الاحترام، أو ربما هؤلاء العمال هم من باع فلسطين وهم السبب بهزيمة يونيو/حزيران عام 67، ربما هم مَن جاءوا بالديكتاتوريات والأنظمة الشمولية إلى مجتمعاتنا الجميلة والديمقراطية سابقاً، هم السبب الذي يدفع معظم خريجي الجامعات بالهجرة بعد سنة من البحث عن عمل، ولا بد أن يكونوا هم المرتزقة الذين يفتكون الآن بالنساء والأطفال في الربيع العربي المجيد، وربما بسببهم لم يتغير شيء في بلدي منذ نهاية الحرب الأهلية قبل سبعة وعشرين عاماً، لم يتغير شيء سوى الجدران.

إن كلام هذه السيدة جعلني أتساءل حقاً عن مجموعة القيم الاجتماعية التي تسيّر مجتمعاتنا، فنحن نذهل من عنصرية بعض الأوروبيين تجاه العرب أو المسلمين، وننسى أننا أشد المجتمعات عنصرية وطبقية على الإطلاق، بحيث على الرغم من اختلاف الأسماء (القوميات إذا شاء البعض تسميتها) من خليجي لعربي، مغربي، كردي، تركماني أو حتى فينيقي تبقى النتيجة نفسها حتى مع اختلاف الأديان، بل وأيضاً في صفوف العلمانيين يساراً أو يميناً.. النتيجة واحدة: الجميع على حق، والجميع يشعر بفخر واعتزاز وجودي معطى بجينات خاصة عند الولادة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.