المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية علام Headshot

الحياة قصيرة.. دعنا نمكث هنا قليلاً

تم النشر: تم التحديث:

لا ليس بعد، ابكِ لدقيقة أخرى، ها نحن ذا.. آه، تلك التنهيدة، ماذا ظننت عزيزي القارئ؟ حبيبان، أحدهما يُعَذب الآخر ويتلذذ بمعاناته، ربما كانتا صديقتين، تُحاول إحداهما مساعدة الأخرى بالتخلص مما يضيق به صدرها بحثّها على البكاء، دعني أخبرك شيئاً.

ولكن أولاً، أدعوك إلى أن تأتي معي في رحلة صغيرة إلى السطور القليلة القادمة؛ لمقابلة أبطال مقالتي هذه، أحببتُ أن أطلق عليهم لقب" ملوك الفَرهدة".

أريدك فقط أن تتذكر.. البطل هنا قد يكون أحد أصدقائك، أو ربما أخاك، قد يكون حَبيبك، قد تكون أنت.. ما يُهِم هو أن بطل هذه المقالة شخص "غاوي فرهَدة".
جميعنا يعرف الشخص المغامر، من يلقي بنفسه للتجارب، يفتح بابه على مصراعيه للمواجهة، للمغامرة، للحياة، يُحبها وتحبه، يألفها وتألفه، لا يؤرقه أو يخيفه تقلّب وجهها، لا مانع لديه من العبث معها.

ولكن، بطلي هذا مغامر من نوع آخر، يُحب العبث، لا مع الناس، ولا مع الكون، ولا مع الحياة، بل مع قلبه.

يعبث مع مشاعره إلى آخر قطرة فيها، يعشق من الحب صراعه وتمزُّق قلبه، يُقدِس من الفُراق ألمه، يوقّر لحظات الوجع والحنين والبكاء، يرى فيها شيئاً لا يراه العامة من البشر.

هو ليس مريضاً ولا مخبولاً، بل على العكس، هو شخص ناضج جداً، بل إنك قد تعمل بمشورته في أمور مهمة في حياتك، إنه يعي جيداً قيمة الحياة ومعانيها.

يوقّر الله والملائكة والأنبياء والرسل، مُتصالح مع نفسه ومع جميع المخلوقات، يرقّ قلبه أوقاتاً لقطرات المطر وزقزقة الطيور ولون السماء الصافية، وتتملكه الرهبة أوقاتاً أخرى لنفس الأشياء.

رقيق، شفاف مع الغير، كل ما في الأمر أنه اتخذ لنفسه في الحياة منهجاً آخر.

هو ذلك الفتى الذي يترك قلبه متعلقاً بفتاة يعلم أن قلبها ليس معه، ولكنه يجد لذة في وجود قلبه هناك معها، بمقدوره أن يكف عن تعذيب نفسه وإيلامها، ولكنه يهوى هذا الشعور.

يُخبر نفسه دائماً: "ولمَ لا؟! الحياة قصيرة.. دعنا نمكث هنا قليلاً".
هي فتاة تهوى حبيبها، ولكنها تطلب منه أن يرحل فترة عنها حتى تُعيد ترتيب أمور.. أيّة أمور؟ لا يعرف، ولكنها تَعرِف جيداً أنها أمور تسكن قلبها ووجدانها.
هي تعرف كيف يكون "الشوق"؛ لذا أرادته أن يعصف بها.
ولمَ لا؟ ألا يقولون إن أجمل ما في الحب عذابه؟ دعنا نجرب القليل من هذا العذاب.
الحُب أمتع من هذا السكون، الحياة لم تُخلق لهذا الركود.. فلتحركها هي قليلاً.

هي فتاة أخرى تبكي ليلاً لسبب ما، ولكنها وسط بكائها تتوقف قليلاً لتشعر بكل "تنهيدة" تخرج من قلبها، ثم تبتسم لسحر البكاء وروعة"التنهيدة"، ثم تعاود البكاء تارة أخرى.

هو شاب يافع فضّلَ قضاء ليلته وحيداً يُمزّق قلبه الشجن على الرغم من إلحاح أصدقائه عليه للخروج معهم.

يعلم تماماً أنهم سيخرجونه من هذه الحالة، ولكنه أراد أن يبقى داخلها، يستطيع في أية لحظة أن يتوقف عن العبث بعقله وقلبه وتذكر الماضي والمشاعر والحنين إليهما، ولكنه أحب هذا الشعور ولَمَس فيه لذة موجَعة حُلوة.

قد آثر هذا الشعور؛ لأنه أحس فيه قداسة تليق بقديسة شابة لم تفارق معبدها يوماً؛ لأنه رأى من الكون خبايا لم يرَها غيره؛ ولأنه شعر من السماء بنفحات إلهية سَكَنَ إليها قلبه، رأى سحراً لم يتجلَّ إلّا لسواه.

هذه الشخصية استثنائية، تعرِف عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لها مفرداتها ونواميسها الخاصة.

أذكُر أنه كانت لي صديقة تنتمي إلى هذا العالم، أخبرتني يوماً عن ظهور مغامرة جديدة في الأفق، توقعت يومها أنها ستنطلق إليها بكل كيانها، ولكنني تفاجأت بردة فعلها.

سكتت قليلاً وذابت ملامحها في مكانٍ لم أتبيّنه، ثم علا وجهها ابتسامة خفيفة وأطلقت روحها "تنهيدة" طويلة، وقالت لي: "لأ.. مش طالبة فَرهَدة"!


2016-10-22-1477172336-7924079-10632790_565595966877543_7583180581204651240_n.jpg

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.