المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية سليم  Headshot

لقد آثرتُ المغيب

تم النشر: تم التحديث:

أما عن هذه المرة.. فلا أكتب لمَنْ يقرأ، ولا أعبأ حتى بمقدار الكتابة والوصف، ولا أُقيد نفسي بعدد من الأحرف أو أدقق في الأخطاء الإملائية، إنني بكُل الأشكال لا أمتلك حتى طاقة الظهور، طاقة التجمُّل أو التلاعب بأسلوب الكتابة ليبدو المقال أروع.. أو ربما أسوأ، أو ليبدو مظهري مرتباً ورقيقاً وجذاباً كما قد يتمنى المرء منا، إنني ببساطة اخترتُ أن لا أبذل جهداً في أن أبدو عكس ما أكتُب.

اخترتُ أن أرفع عن نفسي حجاب الرتابة والغموض، وأن أكتُب عما في نفسي دون أن أعبأ حتى بكم السُخرية التي قد أتراشق بها لعبث أفكاري وتضادها، وتشابك مضمونها ، وضمور المحتوى واستهلاك المعاني وتناقُض عواطف الكلمة والسطر.. الذي يسبقها أو تسبقة.

ما أوُقنة رغم كل هذا.. أنه لا يوجد إنسان متناقض، لأن النفس البشرية بطبيعة الحال مزيج من كل شيء وتلك الأفكار التي تظهرعلى الشخص تكون حسب الحالة التي وصل إليها والكواليس التي مر بها دون أن يعلم من اتهمة بذلك عنها شيئاً، وإن من يُعطي نفسة حق الحكم على غيره لا بد أن يكون متزناً وسَوياً بنسبة تصل للكمال، ولأن هذا الشخص غير موجود، علينا أن لا نخلقه بأن نُعيره اهتمامنا في آرائه فينا، لذا فما أكتبه الآن مجرد عثرات فالروح لا بد لها أن تخرج..

بدأ الأمر قبل اعتقاله بيومين، صديقي لم يبلغ من العمر السادسة عشر بعد، يحب السفر والكتابة، الأدب والفن، يُقّدر الجمال، لدية طلة ورونق وأسلوب في الحديث مميز ومُقنع إلى حد بعيد، إنني على يقين تام أنه شخص جيد.. وأنني بكُل الأحول أكبره أعواماً لكن على الورق فقط.

كان اللقاء الأخير دون أن يُدرك كلانا.. حين أخبرني في حَدس صادق "لنا عودة، أراكِ على خير"
إنني مُثقلة بكم هائل من الحديث الذي لا بد له أن يجد لحظة صادقة يقال فيها بين طيات اللقاء، ولكننا اعتدنا أن نحتفظ بالصمت المُطلق أثناء مخاطبتنا لهم، وقد ينتهي العُمر كما انتهى الحديث الذي لم نبدأه، ولأننا لا نُدرك قيمة "البوح" إلا في اللقاء الأخير، قد يجعل منه رثاءً تأخر عن موعدة حياة كاملة.

مضى عامان منذ اعتقاله، مضى دهراً غيّر ملامحنا وأفكارنا وأحلامنا، صار عمر رفيقي ثمانية عشر عاماً، لكنة بالتأكيد صار يكبرها بكثير، لكن صديقي الحليم ما زال رغم كُل هذا يدرك معنى وقع الظلم، وبطش الكلمة، يدرك هشاشة الباطل مهما بلغ من أسباب القوة.

وإنني فالواقع لا أكتب عنه وإنما أكتب عنا.. عن الواقع الذي نعيشة أو ربما يعيشنا!
مع إسقاط لهذه الحالة -فقدان الحرية- علينا، أدركت أنه لا فرق بيننا وبينه! إنه بكل أسف فقد حريته رغماً عنه كحال أغلب مَن عاش مسلوباً في حياة غير حياته أو في نفس غريبة غير نفسه، من فقد حرية فكره أو لسانه، من فقد حرية شغفه أو حرية قلبه بتعلقه بمن ليس له..
باختلاف الأماكن والظروف إننا نعيش نفس الحالة في سجن أكبر.. حتى أنني لم أعُد أدرك من في كلينا مُعتقل من داخل السجن أم من خارجه؟

إنني أكتُب عن حالة "السكون" التي أصابتنا، حالة فقدان القُدرة على الدهشة والاستغراب، ذلك الشعور بأنكَ مُستهلَك القلب مُستنزَف المشاعر والأفكار، حالة من عدم القدرة على تقديم اللوم وتصويب وإدانة المُخطئ، تلك الامبالاة المصحوبة باللا شعور التي تجعلك غير مهتم لأنك متيقن أن لا شيء مُجدٍ!

تلك المشاعر التي تختلف في كل وأي شيء لكنها تتفق في أن تُفقدنا زهو الحضور وبريق الانتعاش وسطوة النفس واكتمالها وحماستها، عن حالة -اللاشيء- التي صارت تقترن بكل من يُدرك ما يحدث ما حوله بصورة حيادية وعاقلة.

أتعرف يا صديقي؟
في فيزياء العالم، لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القوة ومضاد في الاتجاه، أي أنك عندما تقذف الكرة ترتد مرة أخرى إلى يدك فى نفس المسار بنفس السرعة، وإذا ما تطرقنا لعلم النفس يكون رد فعل الإنسان مرناً فى استجابته والرد عليه ويكون بناءً على الخبرات السابقة ورصيد الشخص واتزانه.

لكن ما لم يتوصل له فونت أو عالم النفس الآخر الذي لا أذكر اسمه، أن ذلك الفعل المتجه للإنسان ويحسن إصابته بشدة وعنف ليس له رد فعل أو مرونة ولا يخضع لأي قوانين بالأساس.. إنما يكون كما أخبرني أحدهم يوماً، يكون كما القهوة بعد غليها.. داكنة ومركزة ومُرة عكس الشراب الذي يمتعنا مذاقة ورائحته، ويزداد ذلك الذي يبقى بعد كل فعل يطعن بكل قوة ليترك أثراً أعظم من القاموس النفسي للفرد ليجد الواحد منا بالنهاية أن وقع الحدث وأثره يكبر كل الكلمات.

مرة بعد مرة، تكبر تلك البقايا التى نتجاهلها، لنبدأ في نوبات من الكبر المفاجئ لتجد ابن العشرين يتحدث كما الخمسين، حالة من فقدان البوصلة الداخلية وعدم القدرة على استيعاب ما آلت الية الحقائق، إن آخر ما أذكره يا صاحبي كان لحظة التنحي، حين رحل الرئيس بعد ثمانية عشر يوماً بالميادين.. إنني بكُل أسف أتذكر.

لكن التذكر وحدة لا يكفي، إن الوقائع التي لا تجد موضعاً للفهم عند النفس البشرية تظل عالقة في العقل كاللقمة في الحلق، تعيد ترتيب المشاهد والأحداث والتواريخ بنفس مرارتها..
شعور الوحدة الذي ينتابك بالزحام، وشعور الزحام وأنت وحدك، شعور الجهد بلا مقابل، والخرائط بلا طرق واضحة، شعور الانعزال الدائم عن البشر مهما بدا عليك غير ذلك.

الأمر كله أشبه بمسرحية زمنية، يختلف الأشخاص وتبقى نفس الأدوار والسيناريو.. ويبقى نفس الجمهور، ونفس حرارة التصفيق للمشهد المتكرر، وتبقى أنتَ في مسرحك الصغير بقدر مساحة قلبك الصغير الدافئ، تنظر لهم في دهشة وتحاول أن تنسجم معهم -فقط- لتكون جزءاً من الحشد.

ولأن الشيء بالشيء يذكر ويذكر، ولأن الحب بالحب يستكمل حضوره وكل جوانبه.. إنك عندها ستضطر للحديث عن وطن وشعب، عن الحرية والإنسانية والثورة والحنين والحب والأمل والشهداء، المنفى، المعتقل والعدالة الاجتماعية، عن أمور أكثر مما قد يخطر في بالك..

فليكتب الواحد منا ما لديه من حكايات.. لأن الحكايات وحدها من ينهي كونك "مفعولاً به"، هي ما تنقلك من الغياب إلى الحضور، من منفى المشافهة إلى موطن اللغة.
هي وحدها من يضيء طريق الهوية ويذكرنا كيف ومتى وعلى أي شيء كُنا؟

في موطني حكايات كثيرة، حب وفرح آلم حزن وموت، ونعبر عنها بنفس الطريقة.. الكتابة.
ربما تكرار الحكاية مرة وراء المرة يقتُلها، لكن التكرار قد يكُسب الشيء قيمة "الوجود" كونه مثبتاً ومعاداً طوال الوقت، التكرار قد يربك المشاعر والعقول، نحن من يعشق التكرار، ونحنُ من لدينا السلطة على أقلامنا وأفواهنا..
في الحياة (حب وموت)، يعيش من يبحث عن أحدهما ليصل إلى الآخر في منتهاه..

صديقي، بكُل الود.. تذكر أن تقصَّ من حكاياتك ما تقصُّ، فمهما بلغت من الدقة أنت بالكاد لا ترى سوى أنصاف الحقائق، اقصص.. فلن يعبأ لأمرك إلاكَ.

"وحين يشتد بك اليأس وتزلزل الهزيمة أركان نفسك وتبدو الآمال كسخافات مجنونة كاسدة في سوق الحديث لا تجد من يشتريها قم بمراجعة لمبادئك وأسسك الأولى، إلى أول ما عهدت عليه نفسك ستجد لظمأ روحك من وقع الحنين ريًّا، ربما حينها ستصل إلى شاطئ الأمل أو تكاد!"

بالنهاية.. أدعوكم لمراجعة ما قد كتبته يوماً هنا

http://www.arageek.com/2015/07/28/important-cases-on-the-arab-world.html

http://www.arageek.com/2015/07/01/how-we-get-the-culture-of-disagreement.html

ربما تكون المرة الأخيرة وربما لا، لكن دعونا نلتقي -صُدفة- في زمان آخر..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.