المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية إبراهيم عراقي Headshot

ومَا شَهِدنا إِلَّا بِمَا عَلِمنا

تم النشر: تم التحديث:

سنواتٌ مرت علينا سبق وشَيْعَنا فيها جنائز صحبنا، بكيناهم، ولم نملك إنقاذهم من بين زخات الرصاص، لكن هذه المرة غير، لن يأتينا المُصاب بغتة، ونحن على حين غفلة، نحن هنا وهم هناك، وأحدهم يمسك بعداد الأيام، هذه المرة نعلم أن حكماً بالإعدام صدر بحقهم!

من البداية نحكي، يوم اختفى "باسم محسن"، كان الخبر عن مهندس شاب لا يُعرف مكان احتجازه، ولا يعلم أهله أكان حياً أم ميتاً، لم أسمع باسمه يوماً، لكنني فوجئت بأخي صديقتي الصغير -الذي لا يُعير للأحداث السياسية اهتماماً- يغير صورته الشخصية على " الفيسبوك" لصورة المهندس المختفي، ويبدو على وجهه حزنٌ حقيقي.

المهندس كان أستاذه في المسجد، ويصدف أنه ذات الشاب الذي حكى عنه سابقاً صاحب القطتين، بعد اقتنائنا لقطة نحن أيضاً تكونت علاقة جديدة؛ إذ تهاتفنا والدة باسم لتسألنا عن شيء يخص القطط، فهمت فيما بعد أنه يتابع أحوال القطط كل زيارة.

شاب متهم بالقتل عُذب تعذيباً شديداً في بداية اعتقاله ومحبوس انفرادياً يهتم لأمر قطته في الخارج ويوصينا بها!

خالد عسكر وأمه، ويا ويح قلبي على أمه!
أذكر أول أيام اعتقاله والزيارات في طرة، حكايات أمه عن ظهره وعلامات التعذيب عليه، عن جرحه غير الملتئم، وكيف تعمدوا ضربه ليزداد تألمه، الملابس القطنية التي تشتريها أمه كي تكون " حنينة على ظهره"، هل تشعره ببعض حنان أمه؟

العلاقة ما بين خالد وأمه علاقة حب ووَلَه لا علاقة أمومة وبنوة، تلمحها من تهدج صوتها، إذ تنطق اسمه، ولهفتها الواضحة عبر الأثير، وأنا أخبرها برسالة منه، واستعجالها فتح الرسالة، وأنا ما زلت على الباب، فأرحل سريعاً مخافة أن أكون عزولاً بين حبيبين.

كنت وما زلت أعتبر خالد رجلاً قوياً شديداً لا يهاب الموت، لكن حين طُلِب مني إيصال حقيبة أخرجها خالد في الزيارة لنوصلها إلى أمه، كاد قلبي ينتزع من مكانه، بداخلها ملابس الإعدام الحمراء، فُجِعتُ، كيف بقلب أمه التي تغسلها وتحضرها وتعطرها وتمنحه إياها؟ حبها لم يدفع عنه أيديهم، ولم تستطِع إخفاءه بقلبها لئلا يصيبه سوء.

في الطريق القصير ما بين بيتي وبيت أم خالد، تمنيت لو تنشق الأرض فتبتلعني، لو يتوقف العالم لأجله ولأجلها، لكنه لم يفعل.

زرت أم خالد مرة زيارة لم أنسَها، كان في حضرتها كل من أم الوليد وأم وهبة، بعيداً عن شعور القزامة في حضرتهما، في لحظات تسمع كلمات تنم عن القوة والصبر في سبيل الله، في أخرى تسمع قلب أم مفجوع تريد أن ترى ابنها بخير وفقط، تريد أن تراه يعيش حياته كما تخيلتها له يوم وُلد وحملته بين ذراعيها، رعته صغيراً، وربته حتى صار رجلاً تتباهى به، تريد لفرحتها به أن تكتمل، فإذا ما بينها وبينه جدران سجن، وحكم يخبرها بأنها ستودعه قريباً.

في رمضان الماضي جمعني القدر بالأمهات الثلاث في مسجد واحد أثناء صلاة التراويح، وكأن رهبة الصلاة زادت رهبةً على رهبة، أن تتخيل الدعوات الصاعدة في كل سجود، وتتساءل عن قلب كل واحدة منهن المقيم بالأرض المعلق بالسماء برب رحيم.

مرةً سافرنا مع أم الوليد إلى سجن وادي النطرون نزور أبي المحكوم بالمؤبد، وتزور هي ابنها الطبيب الشاب المحبوس انفرادياً في ذات السجن، في نظام الزيارة ينتظرون هم انتهاء زيارتنا نحن، وكل المحكوم عليهم أولاً، ثم تكون زيارتهم من خلف الأسلاك، زيارة قصيرة لا تروي عطش مشتاق لرؤية حبيب، وسلك يحول بين عناق دافئ، طوال طريق السفر أمارس ما اعتدت عليه من الدعاء، للمسافر دعوة لا ترد، هذه المرة كانت من نصيب آل الوليد.

يمكنني أن أزيدك؛ لعبد الرحمن عطية صلة قرابة لصديقة أعرفها، وبيت العزب ليس عني ببعيد، أختي زارتهم بالفعل، لكنني لم أجرؤ على ذلك، الوليد صديق أخي، والفارق بيني وبينه بضع دفعات في الكلية، عائلة وهبة أصدقاؤنا، ونعرفهم جيداً، يمكنك أن تطالع كل ما كتبه عنهم مَن عاشروهم من صحب وزملاء؛ لتعلم لماذا نكتب عنهم، لتعلم ما أصابنا من ذهول لا نستطيع تجاوزه، ولتستوعب ما حل بقلوبنا من الهم الثقيل.

يُشبه البعض كيفية قتل الحكومات لنا بجملة " بيصطادوهم زي الفراخ" ؛ حيث المستهدف ليس ذا قيمة عند من قتله، لا تشغلهم الأرواح ولا الحيوات ولا الأعداد، لا يشغلهم الأهل ولا الصحب، لكن الآن ها نحن هنا قبل الاصطياد، نخبرك أن لهم أرواحاً طيبة، عاشوا ما بيننا حيوات مزهرة وما شهدنا إلا بما علمنا.

هذه المرة لن تكون مجرد خبر ولا فاجعة تحل بآخرين، فالآخرون هذه المرة نحن، في كل فقد سابق، فقدنا أجزاء من أرواحنا، هذه المرة سنفقد أرواحنا بالكُلِية، سنعي قول الله عز وجل: " مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً"؛ لذا افعلوا أي شيء غير البكاء والأحلام، افعلوا أي شيء.

فى السابع من يونيو/حزيران الجاري، قضت محكمة النقض حكماً نهائياً بالإعدام على ستة من شباب المنصورة هم:

- أحمد الوليد الشال - طبيب امتياز.
- إبراهيم العزب - طالب بكلية الصيدلة.
- خالد عسكر - خريج كلية العلوم.
- محمود وهبة - طالب بكلية الهندسة.
- عبد الرحمن عطية - طالب بكلية طب الأزهر.
- باسم محسن - مهندس ميكانيكي.

يمكنك المشاركة في إنقاذ حياة الشباب من خلال التوقيع على العريضة التالية:

والتدوين على وسائل التواصل الاجتماعي على هاشتاغ #6_مظاليم


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.