المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آيه حسن Headshot

ماذا يريد الله منا أن نفعل؟

تم النشر: تم التحديث:

لو أنني سأمرِّر شيئاً وحيداً تعلمته في حياتي إلى عقل ابنتي مباشرة، فهو ألا تستهين بقوة الأفكار، البذور التي نزرعها في الدماغ فتكبر يوماً بعد يوم، ونجني ثمارها فيما بعد، نتعامل معها باستهتار، نستخف بمدى تأثيرها، فالفكرة تغير حالك بالكامل، الفكرة تمنحك منعطفاً آخر قد لا تتخيل وجوده، الفكرة إذا انتقيناها بحرص بوسعها أن تحول واقعنا إلى روضة تجري تحتها الأنهار، وإذا تعاملنا معها بلا حذر قد تلقي بنا في جحيم مقيم، فهي أصل وأساس كل شيء، فكن حذراً من أفكارك وأفكار الآخرين، وراقب كل شيء، فالأفكار التي ستمررها إلى عقلك لتصدقها وتتبناها، كانت وما زالت بوسعها تغيير كل شيء.

في مقال قرأته منذ سنوات، أتذكره جيداً؛ لأنني كنت في أفضل حالاتي مثل الكثير من الشباب، أصوات الثورة الملتهبة، وحماس الجميع، وحبنا لوطننا، وتفاؤلنا بإمكانية تغيير كل شيء، كان الكاتب يحكي عن تردده في الخروج يوم 25 يناير/كانون الثاني، قلقه على زوجته ووالدته وخوفه على أولاد صغار وهو عائلهم الوحيد إذا ما أصيب في المظاهرات أو قُتل أو اعتُقل، وحيرته بين التخلي عن كل ذلك، وأمام كلمة حق يريد إعلانها برغم ثقته في أنها لن تغير شيئاً في واقع بلد لا يجيد الثورة.

أتذكر جيداً ذلك الجزء من المقال الذي غيَّر حياتي بعدها، عندما توقف الكاتب عن التفكير في عائلته والمظاهرات والثورة وسأل نفسه سؤالاً واحداً:
ما الذي يريد الله مني أن أفعل؟
وكان الجواب في داخله واضحاً، فاستراحت نفسه وهدأت برغم خطورة القرار.

من وقتها وكأن الفكرة زُرعت بداخلي فأنبتت أزهاراً وشجراً كثيفاً مثمراً، في كل فرصة تأتيني، في أي منعطف أمر به في الحياة، في كل وقت تُظلم الدنيا ولا أرى نقطة نور تدلني على الطريق، أسأل نفسي هذا السؤال، وبقدر إخلاصي في البحث لا بقدر وصولي للإجابات، يأتيني الفرج مصحوباً بالكثير من الكرم الرباني صعب التخيل.

نُهمل كثيراً من قيمة الأفكار ونتعامل بقلة اكتراث مع الكلمات، فالكلمة التي ستتفوه بها تنشر في ذهن المتلقي بذوراً لا حصر لها، وما أن تصدقها حتى ترويها وتتحول في عقلك إلى نبات قوي يضرب بجذوره في أنفسنا، إما أن يُحيي روحك بثماره، وإما أن تتشابك فروعها الكثيرة أمام عينيك فتتحول إلى كائن لا يجيد الرؤية، منطمس البصيرة، يقودك التيار إلى هنا أو هناك.

فكرة قد تدمر أُمة

هي الأفكار إذاً.. سبب كل تقدم أو تأخر يحدث لأمة ما، مجموعه أفكار تشكل المنظومة العقلية التي نبدأ بتفسير كل شيء من خلالها، فإما أن تصلح هذه المنظومة فينصلح حالنا معها، وإما أن تفسد ويمكننا أن نرى جميعاً نتيجة هذا الفساد في كل تفصيلة تحيط بنا.

وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً

ماذا لو دمرنا فكرة الإيمان والعمل الصالح في العقول، الفكرة المهمة إلى درجة أن تم ذكرها في أكثر من 50 موضعاً في القرآن.. هذه وحدها كفيلة بإنشاء جيل من المتواكلين، الذين يعتمدون على صلواتهم وصيامهم للنجاح الدنيوي بلا أي سعي جسدي حقيقي ولا اجتهاد فكري من أي نوع.

ماذا لو تجاهلنا قوله تعالى: "وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ" وألصقنا بالله كل الصفات التي تعزز موقفنا وتدعم وجهة نظرنا، استخدمنا الله كآلة للعقاب وتعذيب الناس أو لإنهاء المناقشة بلا جدال في خلافات الحياة العادية؟ ماذا عن استخدامه لتهديد الأطفال بأنه سيلقيهم في النار إن لم يطيعوا كلامنا؟ ماذا لو أدخلناه في خلافاتنا الزوجية لإخضاع الزوجات (كأن الذي قال لا إكراه في الدين سيسمح بالإكراه في الزواج)؟ ماذا عن مراحل أوسع كاستخدام إرادته لتفسير الكوارث الكبرى فهي انتقام إلهي إذا ما ضربت معسكر الأعداء وهي نفسها اختبار لتطهير المؤمنين إذا ما أصابتنا؟

ماذا عن استخدام مشيئته لتمرير تفسيراتنا الشخصية بلا دليل، إذا نجحنا فالله يحبنا وإذا فشلنا فهو ليس فشلاً وإنما شر دفعه الله بعيداً عنا، تجاهل آية واحدة أدى بنا إلى التشويش على صورة الله في عقولنا، مما جعلنا نعبد إلهاً آخر خلقناه خصيصاً لإشباع احتياجاتنا النفسية ومداراة نواقصنا؟!

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تم إلغاؤهما بالتأكيد؛ لأن في حرب الأفكار انتصرت فكرة غربية أقوى بكثير وهي الحرية الشخصية، أصبح الأمر كله متعلقاً في الأذهان بالفكرة الغربية السلبية حتى وإن خالفت أمراً دينياً بهذا الكم من الوضوح، هذا مثال جيد لما يحدث لو ترك الفرد المسلم أفكاره بلا فلترة.. تندثر الفكرة القرآنية وتتلاشى في العقول أمام فكرة خاوية تسقط أمام أي تدقيق، بدلاً من أن نفكر كيف سننفذ الأمر الإلهي بأعلى درجات الإحسان، كيف نوجه غيرنا للأفضل دون أن نترك أثراً سيئاً على نفوسهم، كيف نطور الدعوة إلى الله بإضافة أفضل أساليب الإقناع وأحدث ما توصل له علم النفس، الفكرة المضادة توسوس لك: اتركه يفعل ما يحلو له.. لا تنتهك خصوصيته.

الأفكار التي انتشرت في أمتنا وسيطرت على عقولنا لم تكن سيئة فحسب، بل كانت من النوع المدمر؛ لأنها أفكار دينية في أمة تؤمن بالغيبيات، تستخدم هذه الأفكار كإطار عام للنظر إلى العالم، ما إن تدخل العقل حتى تمسح كل التفكير العقلاني الذي تعلمته في حياتك، وتبدأ بتفسير كل شيء من خلالها، وبشكل سريع جداً ينتشر ذلك الفيروس في عقول المحيطين مستخدماً كلماتك؛ لينتهي الأمر بتحقيق الهدف، تدمير كل أساسيات الإيمان الفاعل في نفوسنا، وترك الشعائر تؤدي دوراً سطحياً لن يؤثر في الواقع كثيراً؛ لأن غرضه تخدير النفوس لا تحريكها.

ليست الأفكار شيئاً يستهان به، أعمِل عقلك في اختيارها، كلنا سنرحل، لا أحد سيبقى إلى نهاية المطاف، ولكن المهم الذي سيبقى في النهاية وإلى ما بعد النهاية أن تبحث عما يريده الله منك فعلاً، لا ما تهواه نفسك ولا ما يتوقعه منك الآخرون، أن تدخل هذه الفكرة وحدها إلى عقلك وتستقر هناك.. مجرد محاولتك للتدقيق والتعلم كفيلة بأن تمدك بطاقة تنير لك عالمك بأكمله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.