المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية بهجت صرصور Headshot

نحن الفقراء يا أبي

تم النشر: تم التحديث:

أتذكرك كل يوم عند الاستيقاظ للذهاب إلى العمل، كل فراق مع السرير يذكِّرني بك، فأنت الذي ما زلت تستيقظ يومياً في ساعات الفجر المبكرة للذهاب إلى عملك، وفي كل مرة أعود فيها من العمل، بعد أن فرغت روحي من الأمل واستنفد تعاملي مع الآخرين قدراتي، أتذكرك وأنت عائد إلى المنزل محمَّلاً بكل طلباتنا.

أتذكرك عندما أمرُّ بجانب رجال الشمس الذين يعملون في البناء، أولئك الذين أعطتهم الحياة قوة في سواعدهم وخشونة في أيديهم، بُناة الأرض والمعمِّرين، الذين ما إن ينتهِ إنجاز مشروع ما حتى يصبحوا في طي النسيان، أتذكر كيف كنت -يا والدي- حريصاً على أن أنهي تعليمي؛ كي يؤمِّن لي مستقبلاً باهراً؛ حتى لا أكون يوماً ما من المعدَمين وألا أقف على عتبة باب أحدهم أستعطفه وأطلب منه قوت يومي؛ كي لا أكون من الفقراء.

لم تنصفني الشهادات ولم تساعدني الجامعة، التي زادت من شعوري بالتجزئة والعنصرية، تلك الجامعة الراسخة على قمة جبل؛ كي لا ترى من حولها، منعزلة وحدها؛ لكي توهم وافديها بأنهم قادرون على كل شيء، شعور يتلاشى بمجرد التخرج، لنكتشف أن الإبداع والحلم فقط داخل أسوارها وأننا خارجها لا نستطيع أن نكون ما نريد.

الجامعة التي باعتني الوهم لأكتشف بعد التخرج أن شهادتي لم تكن بتلك الأهمية وأن مدى نجاحي وفشلي ليس بالدرجات وإنما بمبادئي، فمدى قبولك أو عدمه في وظيفةٍ ما تحدده إجاباتك عن أسئلة في مقابلة مع موظفين سبقوك إلى العمل بسنوات ويعتقدون أنهم أفضل منك وأكثر دراية، لتجدهم يحققون معك بأسئلة فلسفية بعيدة كل البعد عن المهام التي ستؤديها!

نحن فقراء الفكر، كُتب علينا أن نعيش في دولة اسمها فلسطين، الدولة التي تقلصت في بقعتين لا يتجاوز عدد ساكنيها معاً، إضافة إلى عدد زوارها ومغتربيها، عدد الساكنين في شارع بمدينة القاهرة، إلا أنها منقسمة ومتفرعة، ليس بفعل الطائفية أو الدين؛ فهذه الشؤون لم نصل لها بعدُ، فما زلنا نقف عند حدود القرية والمدينة والمخيم، ما زلنا نعتقد أن تصنيف المدينة يكون بعلو عمرانها وكثرة مقاهيها.

نحن فقراء بفكرنا، الذي أوهمنا باتساع المساحة التي نعيش فيها مما يدل على مدى صغرنا، كلنا فقراء، ولكن لا نجلس جميعاً عند دوار المنارة أو عند المساجد، فبعضنا يجلس في مكاتب مكيَّفة تطل على مساحات يحدُّها الجدار الفاصل، ذلك الجدار القابع ليذكِّرنا بذلِّنا، ليذكرنا بأننا لسنا وحدنا على هذه الأرض.

لم تعلم -يا أبي- أننا أبناء هذا الجيل محكوم علينا بالشقاء، نحن من وجدنا "الخبز مخبوز والمي في الكوز"، هذا المثل الذي اعتادت عمتي أن تصف به تكاسلنا في إنجاز أعمال المنزل، أبناء الثورة التكنولوجية الذين وُلدوا في العصر الجميل وكبروا في عصر السرعة، الذين وجدوا الحب على الشبكات العنكبوتية والصداقة في المقاهي والنوادي!

لم تستطع أن تنقذني يا أبي؛ بل زدت من شقائي، عندما فتحت لي الطريق كي أكون، عندما رأيت أن مستقبلي في شهادات ودرجات، زدت من شقائي عندما أخرجتني من المنزل للعالم، زدت من شقائي عندما علَّمتني أن كرامة الإنسان أهم من المال، وأن عزة النفس أنفس من الذهب.. ظلمتني؛ لأنك لم تعلمني كيف أكون منافقة وكيف أكسب قوتي بظلم غيري، لم تنصفني الطيبة التي علمتني إياها ولا الاعتداد بالنفس الذي نقلته لي؛ فنحن في زمن الجبناء.

لم تنقذني من أن ألحق بركب الفقراء، فأنا فقيرة لأنني اعتقدت أن السعادة خارج أسوار البيت الذي بنيته بيديك، وأن الثراء في فنجان قهوة من أحد مقاهي رام الله وليس في فنجان أمي، لأنني رأيت أن السعادة في منزل يطلُّ على بيوت وعمارات أكثر وليس في رؤيتك يومياً والتحدث معك؛ لأنني أضعت أيامي معك في الجدال والنقاش الذي لا أهمية له، ولأنني قضيت ساعات أجادلك بدل تقبيل يديك.

لكن -يا أبي- من منّا ليس فقيراً، فالفقر بعيداً عن تصنيفات المجتمع غير المنصفة التي تأخذ من هذه الكلمة الكثير من معناها وتكتفي بوصف الفقير بمن لا يملك المال، ولكن الفقير ليس فقط فقير المال، هو من يفتقر إلى شيء أو غرض أو صفة بعيداً عن الماديات.

هذه الكلمة التي إذا ما فُهم معناها تشملنا جميعاً، نحن الفقراء الى الله وليس إلى مديري العمل وأصحاب رؤوس الأموال، الفقراء إلى الفرص التي لو أتيحت لنا لأصبح لنا شأن، نحن من نعيش تحت رحمة الغير الذين يتولون أمورنا دون إذن مسبق منّا.

نحن الفقراء الذين تحدّ حياتنا توقعات وخطوط عريضة علينا ألا نتجاوزها، الخطط المعدَّة مسبقاً والمحددة بتواريخ انتهاء. فقراء الحكومات العادلة والشوارع النظيفة، نحن أصحاب الدخل المحدود والمعدَم، أصحاب الشهادات العليا والتفكير المبدع، نحن -يا أبي- الفقراء إلى الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.