المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية المرسي Headshot

عن التوزيع الإقليمي للكليات.. وإمكانيات إعلام "الهائلة"

تم النشر: تم التحديث:

كانت مشكلتنا العظيمة في بداية كل فصل دراسي جديد في الكلية هي تنظيم جدول المحاضرات. كانت عملية الإرشاد والتسجيل تمثل لنا هاجسًا وأحيانًا دافعًا للتفكير في تفجير المبنى كاملًا بمن فيه ولا نستثني أنفسنا لنضع حدا لهذا الأمر. دوما ما كانت المواعيد متضاربة والفروق الزمنية بين المحاضرات غير منطقية. المشكلة العظيمة كان سببها بسيطًا: انعدام التنظيم، العشوائية والقرارات الإدارية المفاجئة، وعدم التنسيق مع الأساتذة والمعيدين/المعيدات في وقت مناسب يجعل من الطبيعي أن يتوافر للطلبة جدول دراسي غير متضارب أو (مبهوق).

لعل القاريء يظنه ليس بالأمر الجلل -وإن كنت لا أحب المصادرة على رأي الآخرين- ولكن تلك العشوائية في تنظيم أمر بسيط كجدول دراسي لطلبة ما في إحدى الكليات لم تكن سوى نظير لعشوائية في تنظيم واتخاذ قرارات أخرى على مستوى المؤسسات الجامعية ككل. فمؤخرًا أصدر المجلس الأعلى للجامعات عن تطبيق نظام التوزيع الإقليمي لبعض الكليات ككلية اقتصاد وعلوم سياسية، وكلية إعلام -وهي المعنية في كلامي نظرًا لأنها كليتي التي درست بها. التوزيع الإقليمي باختصار يعني أن التنسيق لا يتم وفقًا لمجموع الطلبة في الثانوية العامة والحد الأدنى للكليات الراغبين في الالتحاق بها، بل وفقًا لتوزيع إقليمي حسب المحافظات. فمثلًا طالب محافظة قنا لا يمكن له الالتحاق بإعلام القاهرة بل يتم تحويله تلقائيًّا لإعلام الوادي الجديد وهكذا. اعتبر بعض الطلاب القرار تعسفيًّا، بل ويميز بين الطلاب وفقا لمعايير ظالمة.

أبدى د/ أشرف حاتم الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات الأسباب وراء اتخاذ هذا القرار. وكان على رأسها تنمية الأقاليم، عدم استيعاب الكليات المعنية بالقرار لعدد الطلاب المتقدمين لها، صعوبة استيعاب المدن الجامعية لكل هؤلاء الطلاب المغتربين والتي تمثل عبئًا ماديًّا على الدولة. وهاهنا سنأخذ كلية الإعلام كدراسة حالة إن جاز التعبير، لنتناول كل سبب..

بما إنه لم يعد ممكنًا أن تستوعب كلية الإعلام الوحيدة بجامعة القاهرة هذا العدد من الطلاب المتقدمين لها، فكان القرار بإنشاء كليتي إعلام بمحافظتي بني سويف والوادي الجديد. فما المانع من توزيع الطلبة على الكليات الثلاث وفقًا لمجموعهم كما المعتاد مع الكليات الأخرى؟! (مشكلة استيعاب الأعداد الضخمة)

في تحقيق نشرته جريدة الشروق عن القرار تكررت جملة بعينها استفزتني، وأنا الخريجة التي تتعافي من أعراض اكتئاب ما بعد التخرج حديثًا، ألا وهي "الإمكانيات الهائلة"! "الامكانيات الهائلة" في كلية إعلام جامعة القاهرة والتي تفتقدها الكليات الجديدة لإعلام في بني سويف والوادي الجديد.. -سنعود لتلك الجملة بعد قليل.

بالفعل تقبل الطلاب المعنيين بالقرار من مجموعهم أعلى من الحد الأدنى للالتحاق بالكلية بجامعة القاهرة الأمر الواقع وسلموا أمرهم لله، لتأتيهم المفاجأة الصادمة بعد مرور أول سنة دراسية بأن الكليات الجديدة تفتقر لإمكانياتنا القاهرية العظيمة (المادية والبشرية على حد سواء) رغم أنها لم تفتقر للمطالبة بذات المصاريف المقدرة بـما يزيد عن 7 آلاف جنيه.. (مشكلة تنمية الأقاليم، ولكن دون إمكانيات، رائع)

عودة للجملة إياها "الإمكانيات الهائلة" الحقيقة لم أفهم عن أي إمكانيات يتحدثون، (لأ وبـ يتكوا عليها كمان؟). إمكانيات وجودها كعدمها طالما الطالب غير مستفيد بها، اللهم إلا المنظرة في كثير من الأحيان لا أكثر ولا أقل. إمكانيات أقرب ما تكون لطقم الصيني الذي تحتفظ به أمهاتنا في دولاب النيش. إستديو يتيم دخلناه مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، كاميرات محدودة العدد غير متاحة لاستخدام الطلاب أغلب الوقت كونها (عهدة). أهذه الإمكانيات التي يقصدونها؟

أكيد لم يقصدوا المكتبة والقاعات المزودة بجهاز البروجيكتور. إممم ولم يكن الميكروفون صالحًا للاستخدام أغلب الوقت، فربما ضاع ثلث مدة المحاضرة في حل مسألته! كما لم يكن هناك (Wi-Fi)، أذكره كان من مطالبنا في وقفتنا الصامتة الحزينة في عامي الثاني على سلم الكلية. الكتب الدراسية المعتمدة من الخارج لم يكن متاحًا إلا عدد محدود منها، والكتب الأخرى كانت أقرب لملازم وبعضها لم يلِقْ بها سوى لفظة مأساة!

أتصور أن القرار ذاته -بناء مبني خاص بكلية إعلام بجامعة القاهرة- بعدما استضافتها كلية سياسة واقتصاد في الدور الرابع منها -على ما أظن- في سنواتها الأولى، قرار جاء بالصدفة أو ربما فاجأ القائمين على الأمر، فضربوا (لخمة) واضطروا لإنجازه سريعًا. فلا يخفى على أحد أن كلية إعلام القاهرة ما هي سوى ممرات وسلالم من بنوها نسوا أنه لا بد من وجود مدرجات للطلاب. وقاعة الامتحانات التي حضرت بها أغلب محاضراتي في سنواتي الأربعة لعدم إمكانية حضورها بالكلية تشهد!.

أذكر أنه في السنة الرابعة والأخيرة لي بالكلية، كان قد بلغ إحساسي بالسوء مداه. لما كنّا نحقق نوع ما من الإنجاز بالكلية والذي كنا نعتبره إنجازًا رغم بساطته لأننا محبطون، فقد يتمثل في نهاية الأمر في موافقة على إقامة "Booth" لنشاط ما اجتماعي أو ثقافي أمام مبنى الكلية! فكان إنجازًا بمجهود وسعي فردي منّا ومن أساتذة بعينهم يرغبون في مساعدتنا. أساتذة استنفذوا طاقاتهم وأعصابهم هلكت في مهاترات وروتين قميء وتعسف إداري وأحيانًا انغلاق فكري من أجل تحقيق بعض "الانتصارات الصغيرة".

لربما لذلك، لا أستطيع تصور أن في ظل الوضع العام ككل، هناك آباء وطلبة قامت برفع قضايا في المحكمة لرفض تحويل أبنائهم من كليات الإعلام ببني سويف والوادي الجديد لنظيرتها في جامعة القاهرة. لو كان الأمر بيدي لما هان عليّ ضياع كل هذا الوقت والجهد والأموال بلا طائل. ولم يكن ليهون عليّ ضياع حلم طالب بريء لدخول كلية الأحلام لم يتلوث بعد، ولكنها الحقيقة يا صديقي والصدمة خير علاج أحيانًا!

فإن كان الغرض من تطبيق هذا النظام الجديد هو القضاء على المركزية، وتنمية الأقاليم، وتخفيف عبء عن الدولة من حيث رفع تكلفة استقبال الطلبة المغتربين في المدن الجامعية -والتي تعاني العديد من المشاكل الحقيقية تستحق أن تفرد في مقال كامل وحدها- و"عايزينها تبقى خضرا الأرض اللي في الصحرا" وخلافه.. فلماذا لا يسبق البناء واتخاذ القرار الدراسة ووضع خطة بأهداف محددة لها جدول زمني تتحقق فيه؟ لماذا قصرتم حل المشكلة على مبنى يستوعب عدد الطلاب المتزايد القادمين بـ "عبلهم" من محافظات أخرى؟ غير ملتفتين لعدم توفر أستاذة تغطي العدد ذاته من الطلاب؟ فلا يجوز أن نقضي على المركزية وننمي الأقاليم على قفا طلاب الأقاليم، في حين أننا نعوم في مركزية أخرى قصرت وجود أعضاء هيئة التدريس على القاهرة دون سواها!

لو فرضنا أن كل مشاكلنا حُلَّتْ. فما العمل فيما يتعلق بمركزية البلد نفسها في القاهرة -محتكرة فرص الوظائف والأحلام؟ ما العمل في إعلامنا الذي ما زال يتعامل مع الأقاليم وقضاياها على أنها قسم في الجريدة لا أكثر ولا أقل، مع حلقة أو أخرى كل فترة في (توك شو) فلاني أو علاني..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع