المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية القزاز Headshot

في مجتمعي عانس

تم النشر: تم التحديث:

يهوي بوقعه كالصاعقة على القلب، يفتك بروحها فيجعلها أشلاء، ينهش بقاياها حتى تهوي طريحة الفراش، يعاندها ليقترن بها وتعانده ليبتعد عنها، فيأبى؛ بل إنه قد يحل مكان اسم العائلة أحياناً، وأحياناً أخرى تجده بمثابة بطاقة تعريف عنها إن ذكر اسمها.

يحل العقد الثالث عليها، وكلها خوف من تلك المرحلة المنتظرة، يحل عليها وهي لا تدري أتفرح أم تترح؟! كيف لا والكلمات تصيبها من كل حدب وصوب؟!

عانس.. هكذا وبكل بساطة وسذاجة أصبح اسمها، بهذا الاسم تناديها جارتها، وهكذا تلقبها زوجة أخيها التي تصغرها بأعوام، وبذات الكلمة تمازحها بقصد التجريح زميلتها التي ارتدت دبلتها منذ أسابيع، وبها أيضاً تستفزها والدة رجل أرادها زوجة ثانية بعدما ملّ من زوجته الأولى، وبكل استخفاف لمشاعرها يقولها مطلّق قاصداً الزواج منها، تماماً كالأرمل القاصد من مجيئها تربية الأبناء، بل والقاتل أكثر وأكثر هو كمّ السخرية المبتذلة منها في أفلامنا العربية، يظهرونها كالكلب الذي يعوي ليل نهار من أجل الرجال، ويا ليتهم عاشوا أيامها وعلموا حجم الألم الذي يسببه فكرهم الرخيص لها.

كالموت هي كلماتهم.. تتهمها إحداهن بالتكبر الذي أفقدها العريس، وأخرى تناديها بـ"المعقدة" التي ارتضت أن تحيا وتموت وحيدة، وتلك تستنقصها لمجرد تأخر زواجها، فتتفاخر الأولى بأنها نجحت في اصطياد العريس، وتأتي الثانية لتحدثهن عن بطولاتها التي أنقذتها من فوات القطار، فتخبرها الثالثة بكل سذاجة أنها لحقت الركب، واستطاعت أن تكون أماً قبل أن يمضي عمرها وتصبح عقيماً، "وهذه مصيبة في مجتمعنا أعظم"، وغيرهن الكثير ممن يؤمنَّ بأن الزواج هو إنقاذ لروح الأنثى من الجحيم.

تأكدي عزيزتي أن مَن تحتقرك لمجرد أنها متزوجة هي مجرد آلة بلا هدف ولا روح ولا طموح؛ بل إنها خاوية لا جدوى منها أبداً؛ لأنها حتى لم تدرك أن الزواج هو تبادل روحي طاهر قد يوجد أو لا يوجد في حياتنا، وإن لم يكن فهو حتماً لن يجعل منك أنثى قد بُتر جزء منها فأعاق حركتها.

من تحتقرك لأنها متزوجة هي لا تعلم أنها تنشئ وتربي أنثى تؤمن كما تؤمن هي فتبقى فكرة العنوسة كالشبح تطارد الأنثى على مر العصور والأزمان، سواء أكانت ذات بصمة وشأن في مجتمعها أم لا.

لقب عانس لم يستثنِ نساء ناجحات، آثرن النجاح على الزواج، نساء عملن بجد ليكنّ ذوات شأن في مجتمع لا يؤمن بهنّ إلا ربات منازل، نساء علمن أن الحياة وزينتها ليست بخاتم ولا فستان، فعملن جاهدات على ترتيب حياتهن كما يردن لا كما يريد مجتمعهن.

نساء قهرن المستحيل، آمنّ بأن الزواج هو خيار لا فرض عين، فآثرن العمل عليه، نساء أبين أن يعشن أيامهن بروتينية قاتلة، فنزلن الساحات، وعبرن الكثير من المسافات، فصنعن لأنفسهن الاسم والذات دون أن يمسسن الرجال.

عزيزتي.. لا تطلبي الزواج، ولا تسألي الله أن يعجّل في زواجك؛ بل خير لك من ذلك أن تطلبي "رجلاً"، وأن تسألي الله أن يرزقك إياه.. نعم، "رجل"، رجل تعلمين مَن هو، تعرفينه جيداً، تختبرينه، رجل تسلمينه ذاتك وأنت على علم أنه سيحفظها أكثر مما حفظتها أنت.

صدقيني إنه لخير لك أن تبقي عانساً على أن تتزوجي من رجل لا يملك من الرجولة مثقال ذرة، رجل قد يورثك الحسرات ويغرق عينيك بالعبرات، رجل في نهاية المطاف سيورثك الوجع الأكبر؛ لذا فاختاري وجعاً لا يكسرك.

كوني امرأة تأبى ذلّها حتى في الزواج، ادخلي معابد الزواج على مهل، ازرعي الحب في قلبك أولاً ثم اسقهِ ليل نهار حتى ينضج ويتفتح، ولك بعدها أن تستنشقي من زهور حبك الاحترام وبعد كل هذا انظري جمال الحياة، وافتحي أبواب قصورك وامسكِ مفاتيح السعادة، وادخلي قصر الزواج.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.