المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آية أبو الحاج Headshot

(م.) حدد حجم حرفك ولا تجعله حرفا هجائيا فقط.

تم النشر: تم التحديث:

كلمة مهندس كانت يوما ما كاللعنة أو كالشتيمة تلاحقنا في المواقف الحرجة؛ أثناء دراستنا ولا نقول السنة الأولى لأننا كطلاب "بنكون مكيفين على حالنا" أي تأخذنا الفرحة بالهندسة، لكن أثناء دراستنا فيما بعد المجتمع عامة والأهل خاصة يروننا وكأننا عصا سحرية قادرة على حل كل المشكلات وإصلاح جميع الأعطال.

عليك أن تعلم في كل شيء وتجيب على أي سؤال وكأنك Google بطريقة أو بأخرى.

أحضرتم جهازا جديدا للمنزل عليك تشغيله، الهاتف سقط في الماء وحرقت شاشته عليك إصلاحها. قد تكون الأمور التي عليك فعلها غير منطقية لكن عليك فعلها. وإن كنتم أكثر من طالب هندسة في البيت فلن تتعرفوا على أي مواسرجي ولن يأكل من طعامكم كهربجي وستعملون عمل النجار.

كل تلك الصناعات ستقوم بها شئت أم أبيت.

بعد التخرج تستفحل الحالة وتصبح "ما أنت مهندس/ة" كتحية الصباح والمساء. في بدايتها يطرب المهندس/ة بها وكأنها نيشان شرف: "يااااااااه جهد خمس سنوات وأكثر يكلل بلقب تنادى به صباح مساء؛ م.فلان"

لكن شهرا واحدا كفيل أن ينقل ذاك الحرف الذي يحمل اللقب إلى خانة الكلمات المستفزة لدى الأعصاب وإلى خانة الكلمات البذيئة التي تحمل الإهانة لدى الدماغ وإلى خانة الكلمات التي تحمل التحدي للأنا.

في اللقاءات العامة ما إن يعرفوا أنك مهندس/ة حتى يقفز السؤال التالي (مهندس/ة شو بلا زغرة؟) -أي سؤال عن تخصصك في الهندسة-حتى يبدأ بعد الإجابة الاقتناص والسؤال فيما وجدت الهندسة لأجله ومالم توجد. وأيضا لدى البعض اصطياد الأخطاء.

حتى في لقاءات العائلة إن تبادلنا الألغاز ولم تعرف الإجابة تظهر علامات التعجب والاستهانة "مهندس وما عرفت" هنا كان -بالنسبة لي مثلا- المهرب الممتاز جملة: "يا جماعة أنا درست هندسة بس ما علموني كيف أصير جوجل في خمس سنوات" كانت مسكتة لهم في بعض الأحيان ولكن مسكتة لي في أحيان أخرى كثيرة.

فقد شاءت الأقدار مثلا أن أعمل في قطاع الطاقة المتجددة كقطاع جديد مستجد في الأردن. فكان لزاما علينا مهما كانت تخصصاتنا الهندسية أن نلم في كثير من العلوم سواء هندسية وغير هندسية حتى نحقق نجاحا ما على مستوى الشركة. فالإدارة لم يهمها يوما تخصصاتنا بقدر أن هناك من يقدم حلا لمشكلة ما و / أو أن يسلم المشروع على المواصفات المطلوبة و/أو أن يسلم العطاء في موعده. أغلب الإدارات في الشركات كذلك ولكنني أخذت مثالا القطع الذي أعمل به.

فكان لزاما علي وقتها أن أقرأ وأبحث وأن أدرس من جديد سواء في تخصصي أو غيره سواء ضمن موقعي الوظيفي أو لا كان لزاما علي أن أكون جوجل بشكل أو بآخر.

قد ينافي هذا الكلام عند البعض مبدأ التخصصية لكن دعونا نكمل للنهاية، خلال سنوات العمل تعلمت شيئا عظيما وهو أن العالم من حولنا في تسارع أسي هائل فإن لم نبذل لن ننافس ولن نتقدم ولن نحصل على ما نريد. والبذل لن يكون إلا بمعرفة نصل إليها بمعلومة نقرأها نشاهدها نسمعها فنستنتجها فنطبقها.

من منا لا يطمح بعمل يحصل منه على دخل ما يحقق فيه أحلاما كثيرة، كل هذا لن تدركه مالم تبذل فتكون مرجعا في أشياء كثيرة، ما لم يكن لديك الحل لمشكلة ما، مالم يكن لديك الشخصية القادرة على الإقناع لإتمام صفقة ما.

ولن يكون ذلك أبدا بعدد الدورات التي أخذتها عشوائيا فكدستها في سيرتك الذاتية، ولا بكل ما فعله أقرانك ففعلت مثلهم. ما تحتاجه فعلا علامة فارقة; كشهادة مهنية معتمدة في مجال تخصصك، كدورة متخصصة في جزئية يستصعب دخولها الكثير، كقراءة مستفيضة للمواصفات الفنية للجهاز المستخدم في مشروع ما في مجال ما، كلغة تحاور ثالثة تجيدها كلغتك الأم، كوجه سمح مبتسم بصدق
كقدرة على تحمل الشخصيات الصعبة والمتطلبة. كل ما عليك ان تقرر بما ستكون مرجعا لتبدأ الرحلة، قد تكون المهمة صعبة لكنها ليست بالمستحيلة مع العزم والعمل.
أن تكون جوجل ليس بالشيء السهل، لكن جوجل الآن ليس إلا حرفا هجائيا ضمن مجموعة.

لكن ما تملكه أنت (م.) إما أن يكون حرفا يبدأ به الكلام ولقباً تتبادله الألسن لكنه لا يقدم ولا يؤخر أو أن تجعله الحرف المعجزة الذي يظهر عند اللزوم فيقدم للبشرية ما تريد من حلول.

فحدد حجم حرفك ولا تجعله حرفا هجائيا فقط


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.