المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أوس محمد أبو عطا Headshot

المقامة المائيّة السّاخرة

تم النشر: تم التحديث:

حدّثنا غيث بن قحطان: بعدما انقطعت عنّا المياه أسابيعَ، وقضينا أيّاماً ونحن نجمّع قطر المطر تجميعاً، تارةً نضع طستاً تحت المزراب وتارةً أمام الباب، طبعاً مع اتّخاذ أشدّ أساليب التّنقيط والتّقتير.

فقد كنت أعمل حارساً بجوار المغسلة ليل نهار؛ كي يقتصد الكبير قبل الصّغير ويتعلموا التّوفير، فحيناً أتوجّه إليهم بالنّصح وتعلّم حسن التّدبير؛ لذا علّقت لافتةً تحمل حديث رسولنا البشير، عليه أفضل الصّلاة وأتم السّلام عدد حبات رمال البراري: (لا تسرف في الماء ولو كنت على نهرٍ جارٍ)، وحيناً بالضّرب والتّعزير، وكنت أوجّه النّساء على العمل على إعادة التّدوير وتكرار استخدامها، فالحصول عليها تلك الآونة يتطلب الكثير من الجهد والتفكير، ولا غرو أنّ التّبذير أمرٌ خطير.

وذات ليلةٍ بيضاء أنهكت فيها من شدة الوقوف والطواف لمنع الإسراف، استيقظت عند الفجر على صوت جارتنا العانس دُعاء، تصيح بأعلى صوتها ها قد جاء الماء فاسجدوا شكراً يا أحباء!

فقمت بكل اندفاع كالملدوغ الملتاع أنوي صنبورة المياه وأنا أهتف بسري: الحمد لله الحمد لله الذي يفرج عن المكروب ويغفر الذنوب، ويستر العيوب، وزوّجكِ الباري يا دعاء بشاب كريم ليس ببخيل، ووسيمٍ وطويلٍ لهذه البشرى السارة والخبر الجميل.. ماء.. ماء..

وبعد ما فرغت من الدّعاء لجارتنا دعاء، سجدت شكراً لفاطر الأرضِ والسّماء، ثم قمت وأنا على عجلةٍ من أمري.

لكن من شدة تهوري اصطدمت بباب المطبخ الخشبي، ثم ترنحت وسقطت بحضن جدتي عطاف، فطار طقم أسنانها المستعار عالياً بضعة أمتار، وحط في نهاية المطاف على مفرق رأسي الجاف، الذي لم تمشِ عليه صابونة منذ فترةٍ طويلة، فصرخت بوجهي وراعني فمها الفارغ من الأسنان، وتبللت الأريكة ومسحت الرذاذ عن العنقِ والخدان، وقالت: كيف سآكل فيها يا لَلقرف!! هيا اغرب عن وجهي وانعطف، ثم تجاوزتُ ما حصل وبكل عجلة فتحت الصّنبورة وخرجت منها مياه حمراء تارةً وتارةً خضراء وتارة صفراء، فقالت والدتي: دعها لا نريدها فهي تجلب الوباء، فقلت لها: لا.. تنفع للشطف والاستنجاء، ثمّ بعد حين انقطعت بشكل تام، فلم ننظف ولم نغسل وبقينا بلا استحمام.

ثم هرعت حتى أسفل البناء أنوي مضخة الماء، وإذا بجارنا الأصلع القميء أبي بهاء، قد أغلق على الجميع الماء؛ ليملأ الخزان، وأمّا باقي الجيران على حدّ قوله: فليضربوا رأسهم بالحيطان، فهو مديرُ مؤسسةٍ متقاعد يحسب أنّ على الكل إطاعته، ولا يجوز للفرد أن يخاطبه وهو قاعد، فصرخت بوجهه: اسمع أيها العجوز المخبول بأيّ شريعةٍ تمنعنا حقنا؟! هيا ارعوِ عن فعلتك، فأنا السّاعة يا قاتلْ يا مقتولْ، فهرع الرّجال قبل الأطفال لمشاهدة النّزال، فرفعت عن ذراعيّ القصبيتين ونفخت صدري النحيل، وصرت أتمايل كسروالٍ على حبل غسيل.

أما أبو بهاء فصار يحرك رأسه ككبش المقارعة ولمعَت في وسطه صلعتُه المتغضنة، كأنها جزيرة يؤطّرها شعره المجعد كصوف الخروف، وراح يلوّح بفأسه المعقوف يمنةً ويسرة، كحكم خط النهاية في سباق الماراثون، فقلت في نفسي: هذا هو طريق المنون ولا ريب أنه هو الجاني وأنا المجني عليه، فاقرئي الفاتحة يا أمي عليّ وادعي لي ألا تكون زوجتي من حورياتي السبعين، فأنا بعد قليل سأستشهد والله المعين.

وإبان اشتعال النظرات والمهاترات والشتيمة، جاءت ابنته الكبرى سكينة السّمينة تتهادى كأنها فيلة تمسح عرقها المتصبب، موحيةً أنها عادت للتو من رحلةٍ طويلة.

بيد أنها لم تقطع سوى بضع درجاتٍ قصيرة، راحت تصرخ: يا والدي هناك مصيبة، إنّ أنبوب خزاننا البلاستيكي انفجر كونه لم يحتمل ضغط الماء الشديد فاهرع واجلب لنا من يبدله بآخر من حديد! فقلت بسرّي: الحمد لله الجبار العتيد الفعّال لما يريد، والذي كتب لي عمراً جديداً، ثمّ تنفست الصّعداء ورحت أصرخ: لا أشبعك الله يا عجوز النحس يا من تملك العقارات والسيارات، وتدّعي أنك لا تملك أي فلس.

وبعد ما نفثت بعض ما في صدري توجهت للبيت رافعاً رأسي، ومحتفياً بنصري الكبير الوهمي، وما إن ولجت الباب حتى أخبرتني زوجتي أن لون المياه تبدل وتغير وصارت نقية هنيّة كماء ينبوع صاف تتدفق بلا جفاف، فقلت: الحمد لله؛ لأن طمي الماء استهلكه أبو بهاء، فليسعد بالماء الآسن والقليل ولنا الوفير السلسبيل، ثم قلت لهم هيّا فلنشغل المضخة، فسألتني والدتي باستهزاء، أويلتقي الشمس والقمر في كبد السماء؟

قلت : لا، ثمّ تابعت بذكاء وهذا حال الماء والكهرباء، فزيارتهما لنا خجولة ولا يطيلان البقاء وإن حدث والتقيا صدفةً فأحدهما لا محالة يغادر باستحياء أحفظت هذا يا بني؟ لا خيّب الرحمن لك رجاء؟ فقلت: لا عتب عليّ فشوطي في الحكمة قصير وما زلت أغرق في شبر ماء.. هيا أعطوني المولدة الحبيبة فصوت هديرها لأوجاعي ولأوساخ جسدي كان طبيباً..

فهرقت فيها بعض الوقود وصحتُ بأعلى صوتي: يا جبار يا ودود، فأقلعت بسرعة وفي الحال عقدت على صوتها دبكة شاركت فيها كل الأسرة، ثم من فرط سروري صرت أقفز وأسبح على البلاط كالبطة، ثمّ صدر منها صوت زعيق مخيف وخرج منها دخان كثيف، وصارت والدتي تصرخ: يا لطيف يا لطيف، ثم أطفأتُها بحذر وإذا هي محترقة الوشيعة، فصرت أشتم تلك السّاعة الشّنيعة، وإذا بصوت جارتنا العانس دُعاء تَصيح، قد انقطع الماء: لا بارك الله فيكِ يا دعاء، وزوّجكِ الباري عجوز قصير وبخيل ودميم يشبه أبا بهاء، ثم من خيبةِ ظنّي وكسر الخاطر والوجدان رحت أنشد أبياتاً مكسورة الأوزان:
جاء الماء، فتبسم رضيعٌ ** وغرد عصفورٌ، وانتهى العناء
قُطِعت الكهرباء ما من ** ماء تعطلت مولدةٌ فانقطع الرّجاء
ليتَ شِعري، بتنا نحسدُ ** ضفادعاً تقفزُ في بركةِ ماء

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.