المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أوس محمد أبو عطا Headshot

في قصيدة النّثر

تم النشر: تم التحديث:

مرت القصيدةُ العربية بالعديد من التحولات منذ عهد امرئ القيس إلى يومنا هذا حتى بلغنا قصيدة النّثر، فهي تطور طبيعي لا قسري للشّعر، تكمل الدّورة عبر الدّهور وتحقق المقومات الأساسية، عاطفةً وعقلاً، ولعل الشّعر في جوهره ليس إلا تعبيراً موفّقاً ومنمقاً عن صدى الحياة فرحها، وترحها، وعفويتها، وتصنعها، وسكونها وجموحها، وما الشعر إلا الشعور، وما الإبداع إلا التجديد لا التقليد، ومن الطبيعي أن يتم إبداع شكل حديث للقصيدة العربية متمثلاً بقصيدة النثر حتى يأتي يومٌ يُبتدع فيه شكلٌ جديدٌ للقصيدة.

وقصيدة النّثر التي تسلط الضّوء على المضمون لا الشكل، موسومةٌ بإيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، مرتكزةٌ على الألفاظ وتتابعها، وعلى الصورِ وتكاملها، وإذا اعتبرنا أن الأصل في الشّعرِ الشعور والتأثر والإتيان بما هو جديد وجميل، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن قصيدة النّثر لا تخضع لناموس الوزن والقافية.

يقول أنسي الحاج، أحد أهم شعراء قصيدة النثر: "لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثرية أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز، والتوهج، والمجانية".

وقد قالت عنها السيدة سوزان برنار التي تعتبر من أفضل من كتب وتوسع في هذا الجنس الأدبي البراق في أطروحتها الشهيرة قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا:
"قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحدة، مضغوطة، كقطعةٍ من البلور.. خلقٌ حر، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كل تحديد، هي شيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية".

أما الدكتور عز الدين المناصرة فعبَّر عنها بقوله: "نصٌّ أدبي تهجيني، مفتوحٌ على الشعر، والسرد، والنثر الفني، عابرٌ للأنواع، يفتقد إلى البنية الصوتية الكميّة المنظمة، لكنه يمتلك إيقاعاً داخلياً غير منتظم، من خلال توزيع (علامات الترقيم)، و(البنية الدلالية)، المركبة على بنية التضاد، و(جدلية العلاقات) في النص، التي تخلق الإيقاع الخفي".

فالشقيقة الشقيّة الصغرى في العائلة الشّعرية ثارت على دستور العائلة وعاداتها (دستور الفراهيدي) من عروض وأوزان، ورفضت خوض غمار البحور الشعرية وهي تماشي الحداثة كما أنها ليست إلا خلق حالة من النظام في جوٍ من الفوضى -فسيفسائية الخلق- وقابليتها للفن الإيحائي أكثر من سابقاتها.

فهي كسرب فراشات تنتج العسل بلا خلية تؤويها، وكأنها وليدة التزاوج بين النّثر والشّعر وارثة من كليهما أفضل صفاتهما، مسقطة ما يكبل الإبداع والتجديد وماسحةً كل أشكال التبرج التي كان يطلى بها وجه القصائد القبيحة ولا سيّما الفارغة من المعنى والإبداع، المحشوة بالأوزان والتفعيلات فقط، فاضمحلت الموسيقى الخارجية التي تغطي عيوب ونواقص القصيدة، بيد أنها عملت على بثِّ روح الموسيقى المتموجة والهادئة بين السطور، ونجحت في فرض مواجهةٍ حتمية بين الموهبة المحضة والكاتب، واضعةً الشّاعر في مواجهة النّص، ومميطةً اللثام عن حسن الموهبة، وربما لهذا تهيّب الكثير من ركوب البحر الشعري الحديث، بحر قصيدة النّثر الجاف من التفعيلات.

وفي خضم هذا الفهم الخاطئ لقصيدة النّثر والاختلاط الذي يسهل تبريره لدى البعض يبرز سؤال مهم جداً: ألم تأتِ قصيدة النّثر لتحرر الشّعر من عبودية الوزن والقافية؟ وفي المقابل أليست اليوم ترسف في قيود الغموض الخانق والتصحر الموسيقي والرمز المستورد؟!

فمن المثير للاستهجان تقييد كتّابنا لقصيدة النّثر بهذا الغموض اللامقبول واللامعقول، ومن ادّعى أن ضياع الفكرة أو حتى تعمّد دفنها لمئات الأميال من دعائم قصيدة النثر فهو بحاجة لمستكشفين متخصصين للتنقيب عن القصد والمعنى، فهي تبدو للقارئ متوسط الثقافة كأنها مقتنيات ثمينة لا يوفق بابتياعها إلا الأثرياء (فلا يفهمها سوى المثقف العالي الثقافة) وقد لا ينجح في فهمها أيضاً فهو سيتعب من فك طلاسم السطور وهو يلعن مقولة (المعنى في قلب الشاعر).

فالشاعر هو من يستأنس نزعته الشعرية المستأسدة ويجعلها تلبي ما يدور في ذهن وقلب القارئ بما يلمسه ويعانيه في حياته اليومية، فهو ضميره المتكلم، حينها تلقى السطور وقعاً خاصاً لديه دون أن تقيد المتلقي وتشعره بالعجز والنفور حيال هذا الجنس الأدبي، فهذا الغموض المستبد -الذي أصبح من ضرورات قصيدة النثر بسبب الفهم الناقص لدى كل شاعرٍ- يكلس فكر القارئ، ولا يعبر إلا عن نرجسيةٍ موغلة.

فقصيدة النثر كما نعتتها سوزان برنار (هي كما يسري تيار كهربائي غير مرئي عبر سلك غليظ ليغرقنا فجأة بالنور)، ولكن للأسف لم يبلغ وهجها إلا قلة قليلة ممن تحرروا من سلطان غموضٍ مكفنٍ لها، فقصيدتنا فيها الغموض المستساغ، المثير للشهية الاستكشافية، فاليسير منه ينعش العقل والذاكرة، فهو يزيد النص رونقاً وتمنّعاً، وقد كان السبّاق لهذا شاعرنا الكبير أبا تمام الطائي عندما سئل:
لماذا تقول ما لا يفهم؟ فأجاب: ولماذا لا تفهم ما يقال؟!

نستشف من رسالة أبي تمام للمتلقي أنه يتحتم عليه ألا يكون اتكالياً، بل يحثه على بذل بعض الجهد والطاقة الذهنية والقفز بعض القفزات الفكرية مستشعراً بالغموض الجذاب، المقبول والمعقول، منشطاً لذاكرته، ومحفزاً لمخيلته؛ ليصل لثمرة القصيدة المشتهاة.

ويلجأ بعض الشعراء عن عمدٍ إلى تجفيف القصيدة من موسيقاها وكأنه من مقوماتها التي لا يمكن أن تقوم إلا بها وأي جنوح - في نظرهم - إلى إضفاء بعض الموسيقى كتكرار ذات القافية في سطرين متتابعين، أو تتكرر كلمات لها نفس الوزن يعتبر إخلالاً ببناء القصيدة النثرية، ولأن الغاية المرجوة هي إيصال الفكرة وتأدية المعنى فلا غضاضة إن طال السطر أم قصر، وتكررت ذات القافية أم لم تتكرر، دون تعمد ذلك من الشاعر.

ومن المؤلم ربما ألا نعتدّ بموروثنا الثقافي ورموزه على امتداد التاريخ الذي يزخر بقصص العشق من قيس بن الملوح وليلى وجميل بثينة وعروة بن حزام وعفراء التي تفطر القلوب والصخور.

فكيف يعرف أطفالنا قصة روميو وجوليت ويجهلون قصص أجدادهم العذريين؟!
أليس عمر بن أبي ربيعة أكثر جاذبية من كازانوفا؟!
أليست شخصية خالد بن الوليد العسكرية أكثر حنكةً من نابليون؟ّ!
إذاً فلمَ نتجه لشراء الماء ما دمنا نمتلك النبع؟!

فالكاتب اللماح يستفيد من محاسن الحضارات ويتلافى هنّاتهم آخذاً ما يمكن أخذه مما يتناسب مع هويتنا وشخصيتنا العربية المستقلة لا متطفلاً على موروثهم ورموزهم، وبهذا تغدو قصيدة النثر عربية الهوى والمفردات والتراكيب تكمل مهمة القصيدة الأولى التي لم تكن إغريقيةً ولا فارسيةً أو روميةً.

فالقارئ العربي حينما يطالع قصيدةً قد امتشق فيها الشاعر رموزنا وأبطالنا سيتولد لديه نوعٌ من اللذة والكبرياء الذي يعمق انتسابه للعربية.

(وقد تعمدت هنا عدم ذكر اسم أي قصيدة أو شاعر لأسلط الضوء على المشكلة، ولكي أتحاشى التشخيص فالشبكة العنكبوتية تزخر بالقصائد الكفيفة والموغلة بالألغاز والخرافة والأساطير التي تسبب تلبكاً لغوياً لا يستساغ فهمه ولا استقصاء معناه ولا حتى تحسس كنهه)، وإذا تمكن كُتابنا من عدم التورط بما سبق ذكره، لعل قصيدة النّثر حينها تخلف انطباعاً من الدهشة وإضاءاتٍ بفعل التشبيهات والصور المبتكرة لا المكرورة، يكتنفها الغموض الشفاف والرمز العربي، وبهذا تحمل مشعل الشّعر لجنسٍ آخر ننتظر انبلاجه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.