المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أوس الشاهين Headshot

عن العضو 23

تم النشر: تم التحديث:

رغم العرج الذي تعاني منه جامعة الدول العربية، إلا أنه بات الانخراط في عضويتها بمثابة صك عروبة أو عروبية، صدق أو لا تصدق، فإن هناك دولة سعت جاهدة لحيازة ذلك الصك .. تلك هي "تشاد" التي فور عودتي منها في زيارتين كان على الدوام أول ما أتلقاه من أسئلة: "أي لغة يتكلم التشاديون؟".

قليل من يعلم أن لغة الضاد لغة رسمية في ذلك البلد فسيح الأرجاء، ولو اختلطت بما يقارب 100 لهجة عامية مختلفة، كما أن اسم تشاد مشتق إما من (شتى) أو من (شاطىء)، بينما يحكي أحد المسنين في السوق الكبير، أن اسم عاصمتها "انجمينا"، محرف من (استجممنا)، اثنان من جيران هذا البلد الست عرب، كما أن الإسلام قد أنارها منذ القرن الأول الهجري مع وصول القائد "عقبة بن نافع" فعَضَدَ الإسلامُ انتشار العربية و رسخها.

رغم الصورة النمطية السلبية عن القارة السمراء، إلَّا أن تشاد تستحق اعتبارها إحدى الاستثناءات على صعد مختلفة، استطاعت هذه الدولة أن تقتلع حكم ديكتاتور بل و بدأت تحاكمه مؤخراً بمساعدات إقليمية و دولية، كما أنها نجحت في إحلال التناغم، و التعايش، بين سكانها، على الرغم من وجود أعراق مختلفة و أقلية مسيحية لا يستهان بها، و تعتبر تشاد ديناميكية في التفاعل مع نطاقها القريب (الحوض و الساحل)، والبعيد على المستوى القاري بل و حتى عبر "المتوسط"، فهي رأس حربة في مكافحة الإرهاب و التطرف، و قد مكنها ذلك و غيره من الأدوار من التعاون و التواصل المثمرين مع أوروبا بشكل خاص.

على الرغم من أن هذه البلد الذي يتساوى فيها تقريبا معدل الفقر بمتوسط العمر المتوقع (51)، فإن بيدها تحقيق طفرات تنموية و اقتصادية في ظل حالة السلم الأهلي التي يفتقر إليها معظم جيرانها، تلك طفرات مستحقة عاجلًا خصوصًا من خلال توفير كوادر بشرية مؤهلة تقوم عليها القطاعات الصحية، و التربوية، و الخدمية، توسيع شبكات المواصلات، و الطاقة، و أيضاً توفير البنى التحتية، و ليس ذلك بمستحيل، فمن المبشرات أن نسبة الإلتحاق بالتعليم الأساسي ارتفعت بأكثر من 8% في غضون تسعة أعوام (2003 - 2012)، كما هوت معدلات البطالة من 22.6% في 2006 إلى أقل من 8% في 2012، و رغم زيادة معدلات التضخم، فإن معدل الناتج القومي في تصاعد مستمر منذ 2012.

لعل تلك الأخبار السارة ثمرةً لِتَلَمُّسِ تشاد خطاها على طريق الذهب الأسود في أوائل القرن، طريق بلا شك لا يخلو من العقبات و الحفر التي يقع فيها حتى المسافرون الأقدم و الأكثر تحكما بالمقود لما صروف الأسعار و تقلباتها من تأثير.

سياسيا، لا تملك إلا أن تلحظ جلياً أن في تشاد أروقة القصور تألف وقع خطى "أصحاب القداسة و الفضيلة" كما أن المحاريب ترد صدى ترتيلات "أصحاب الفخامة و الجلالة"، التواصل و الانفتاح بين الساسة و رجال الدين حتما لهما وقع في تدعيم قيم التعاضد و التسامح، بل إن هذه القيم جاوزت الحدود و بالتمثل بهما استطاعت البلاد أن ترأب الصدع مع كل من ليبيا و السودان، حتى تلتفت لما هو أبعد من هموم حقن الدماء و كف التدخلات و تسليك رواسب الاستعمار، فتتمكن من نسج شبكة علاقاتها الدولية بأناة، و تصميم سياستها الخارجية بدقة، إضافة، فإن من شأن ذلك التلاقح أن يشكل دِرعاً واقياً للاعتدال، ولعلي أُفَصِّلُ مستقبلاً عن تجربة المؤسسات الدينية.

مع ذلك، على تشاد أن تعي لآن و مع طي الصفحة الحقوقية ل"حبري" (رئيس النظام من 1982 حتى 1990) ببدء محاكمته مؤخرا، أن ذلك يعني تحويل أنظار المنظمات الحقوقية إلى مواضيع دقيقة، و تفصيلية أخرى بعدما سادت تلك القضية تقاريرها لأمد طويل و تصدرتها، اليوم، و مع انقضاء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، فالفضاء السياسي يتسع لاستيعاب مختلف الفاعلين و الاستفادة من طاقات المغتربين كما أن براميل النفط عليها أن تروي النهضة الموعودة، و تَجرِفُ بسيلها أي فساد، أو هضم لحق أو تغولٍ لنافذ، فالارتباط الوثيق على الأخص مع فرنسا والولايات المتحدة قد لا يشمل حصانة عن عيون المراقبين.

رغم أنها دولة "حبيسة" إلا أن "قلب أفريقيا" استطاعت أن تثبت وجودها، خصوصاً العسكري و الأمني، في محيطها وعبر شراكات عابرة للقارات مبرهنة على تملكها رصيد يتراكم من الخبرات و الإمكانيات، و ها هي تمدُ يدها لتكون بوابة العرب إلى "أرض الميلاد" و "ظهيراً ربعياً" لتشكيلة الأمن القومي العربي بل و مركز إشعاع ديني ثقافي، فهل يرد العرب التحية بأحسن منها .. أو بمثلها على الأقل؟

(كَلِماتٍ أُخَرْ)
حوالي 60% من الشعب العربي يستقر في أفريقيا و حوالي 75% من أراضي العالم العربي تقع في تلك القارة، إلا أن، الإعلامي و الكاتب (أ. حسن العاصي) تساءل، محذرا و متوجسا، في سلسلة مقالات جديرة بالإطلاع عن إمكانية تحولها إلى مستوطنة "إسرائيلية"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.