المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عتيق السعيد Headshot

موقع التحول الديمقراطي من إصلاح الإدارة المغربية

تم النشر: تم التحديث:

ساهم زيادة الدفع العالمي باتجاه الديمقراطية الذي اجتاح العالم منذ منتصف الثمانينات إلى الاهتمام بقضية التحول الديمقراطي المؤثرة والمحركة لمعظم التحولات والتغيرات المتلاحقة التي شهدها العالم مؤخراً، حيث احتلت هذه القضية أولوية الاهتمام في النظم السياسية العالمية.

يعتبر التحول الديمقراطي في العلوم السياسية بمثابة المقياس الذي تصنف به الدول التي تعرف تحولا في أنظمة حكمها من السلطوية إلى الانفتاح على الديمقراطية، من خلال الانتقال من النظم التسلطية الى النظم التعددية، والتخلص من نظم الهيمنة الى صيغ أكثر ديمقراطية في الحكم أثناء هذا التحول يتم التأسيس لبعض الإجراءات تشمل في جوهرها البنى القانونية والمؤسساتية التي تتجه إلى تغيير العلاقات بين الحاكمين بالمحكومين من خلال توسيع مشاركة الأفراد في العمل السياسي على أسس المساءلة والمحاسبة وتكريس الحقوق الأساسية للمواطنين دون تمييز أو تفرقة.

بتتبعنا لمسار التحول الديمقراطي يتبين التراكم الأكاديمي الضخم المقترن بما سُمي "الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي"، والتي انطلقت منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين من جنوب أوروبا (البرتغال، إسبانيا، اليونان)، ثم امتدت خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات لتشمل العديد من بلدان أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وشرق ووسط أوروبا.

ففي منتصف السبعينيات ظهر مطلب الديمقراطية في دول كاليونان واسبانيا والبرتغال ولاحقا بعد انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، فسح المجال لدول أمريكا اللاتينية لبداية التحول الديمقراطي، الأمر الذي مكن علم السياسة من توفير تراكمات كمية حول تجارب التحول الديمقراطي إلى درجة بات الحديث عنه كعلم قائم الذات.

لكن رغم اختلاف المقاربات فإن الجميع يتفق على أن التحول هو مرحلة مفصلية يعرفها النظام السياسي، لكون التغيير طريقة تعتمد على أدوات تدبير ديمقراطية ومأسسة الحكم والمجتمع.

إن التجارب الدولية تبين أن هناك دولاً اعتمدت المدخل الانتخابي كبداية لعملية التحول عبر تنظيم انتخابات حرة ونزيهة ودورية تحقق التداول حول السلطة بين النخب الفاعلة. وأيضا من خلال الانتخابات التي استطاعت من خلالها وضع حد للصراع والمواجهة بين النخب الماسكة بالسلطة والمعارضة، فيما هناك دول اعتمدت المدخل التفاوضي بين الأنظمة التسلطية والمعارضة عبر الاتفاق على تدشين التحول الديمقراطي. كما أن هناك مدخلاً للتحول من خلال تغيير ممارسة السياسات العامة كالسياسات المالية، والتعليمية، الإدارية، القضاء... لكن في مقابل ذلك لا يمكن أن نجزم بأن التحول الديمقراطي دائما يؤدي في النهاية على مسار ديمقراطي في العمق المجتمعي حيث إنه مناخ يتطلب إرادة قوية وقابلية من جميع الفاعلين داخل الدولة

أما بالنسبة للمغرب أجمع العديد من الباحثين على أن أولى ملامح التحول الديمقراطي بدأت مند خطاب الملك الراحل الحسن الثاني عند افتتاحه لدورة الخريفية للبرلمان المغرب سنة 1995، حيث أكد أن البلاد مهددة بالسكتة القلبية بعدما تجاوزت المعدلات ومستويات تنمية الاقتصادية الخطوط السوداء، كما شلت الإدارة، فكانت بداية مرحلة جديدة في علاقة الملك بالمعارضة والتي أسفرت عن تصويتها بنعم على دستور 1996، لتبدأ تفاصيل التناوب الذي دعا له الملك الحسن الثاني، حيث عرفت هذه المرحلة مجموعة من الأحداث سبقت وتخللت حكومة التناوب التوافقي لعل أبرزها تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والعفو على المعتقلين السياسيين ثم عودة بعض رموز المعارضة المتواجدة في الخارج، كما عرفت هذه المرحة نقاشا حول الإصلاح الدستوري، وإشراك المعارضة في التدبير الحكومي، وإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة.

كل هذه المحطات، وأخرى عديدة تبرهن على أن المغرب خطا خطوات هامة في سبيل تحقيق الديمقراطية والتنمية بشتى أنواعها، وذلك باعتماد مجموعة من الإصلاحات السياسية، والقانونية، والمؤسساتية.

وبما أن الإدارة ذات طابع اجتماعي إنساني فأكيد أنها تأثرت، وتتأثر بالمناخ السياسي السائد بالدولة، على اعتبار أن التحول الديمقراطي تحول مؤسساتي يمسّ في جوهره تأقلم المجتمعات مع المتغيرات الداخلية والخارجية المستمرة في مختلف مجالات حياتها، التي تتطلب تحقيق أهداف وخدمات استعصى على الناس تحقيقها فرادى، وبالتالي برزت أهمية الإدارة على اعتبار أنها شُكّلت قصد تلبية احتياجاتهم وتوجيه مجهودهم وتنسيقه.

على هذا الأساس أصبحت الإدارة حلقة مكملة مرتبطة بتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة من جهة، وتحقيق التنمية بشتى أنواعها من جهة أخرى، وبالتالي أصبح لها دور كبير في المجتمعات، وكثر اللجوء إلى خدماتها، ما فرض عليها تحدّيات كثيرة، في مقدّمتها إشكالية الإصلاح الإداري وما يتطلبه من مقاربات إدارية وعلاقتها أو تفاعلها مع الإصلاحات السياسية وحركية التحول الديمقراطي بالمغرب، بهدف الكشف عن الآليات المتحكمة في علاقة الإداري بالسياسي على اعتبار أن الإدارة تعد نظاما مفتوحا يتأثر ويؤثر بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالدول.

ارتباطاً بما تقدم فإن التحول الديمقراطي ينسجم مع الحاجة المستمرة للإصلاح الإداري وتحديث الإدارة العمومية التي هي أداة لتحقيق الديمقراطية والتنمية وحماية حقوق الإنسان، أيضاً تعد أداة توفر خدمات للمواطنين وسائر المتعاملين معها، ما يتطلب تشخيص دقيق للوضع الإداري الذي يضع الإدارة المغربية أمام تحديات عديدة سياسية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، ومن أبرزها تحدٍّ مرتبط بعولمة الإدارة أو ما يصطلح عليها بالإدارة الإلكترونية التي تقوم على تحويل كافة الأعمال والخدمات الإدارية التقليدية من طول الإجراءات واستخدام الأوراق، إلى أعمال وخدمات إلكترونية تنفد بسرعة عالية ودقة متناهية.

إن العلاقة التي تربط التحول الديمقراطي بالمجال الإداري يمكن ان تعكس صورة واضحة المعالم لمدى دمقرطة المؤسسات بالدولة، وبالتالي فأهمية الإدارة لا تنحصر في تقديم الخدمات للمواطن/ المرتفق فهي أداة يمكن أن توظف لتفعيل السياسات العامة.

لكن على الرغم من وجود طفرة هائلة في الأدبيات المتعلقة بظاهرة الانتقال الديمقراطي على المستوى العالمي، ووجود مراكز بحثية ودوريات عالمية متخصصة في دراسة قضايا الديمقراطية والانتقال الديمقراطي في مناطق مختلفة من العالم، إلا أن الكتابات العربية التي اهتمت بالتأصيل لهذه الظاهرة ودراستها سواء على المستوى النظري، أو على مستوى الدراسة المقارنة ظلت بصفة عامة قليلة إن لم تكن نادرة، الأمر الذي بات يمثل فجوة حقيقية في حقل السياسة المقارنة ومراكز البحوث العربية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.