المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عاطف احسي Headshot

محمود درويش... ما غبتَ عن وطنٍ تحبك أرضه

تم النشر: تم التحديث:

الشعر ماء اللغة به تغتسل ذاكرتها وتصنعه في آن واحد، كأن الكلمات التي يكتبها الشعراء تأتي من مكان سري في أعماقهم ومن تجربة تبحث عن لغتها ومن كلمات تتجدد في ماء الشعر. تجربة هذا الشاعر سماء ممطرة بالقصائد والكلمات الشعرية بها غسلت لغتها وجددتها، وأقامت من المأساة الفلسطينية جدارية شعرية كبرى تختزن في أعماقها هذا الغوص في ماء الشعر.

شاعر القضية الفلسطينية والمقاومة وأحد أهم الشعراء العرب الذين ارتبط شعرهم وكتاباتهم بالثورة والوطن، هو الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات، ولد عام 1941 في قرية البروة حيث كانت أسرته تملك أرضا هناك وفي عام 1948 لجأ إلى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عاما واحدا، وعاد بعدها متسللا إلى فلسطين وبقي في قرية دير الأسد لفترة قصيرة، حيث أكمل تعليمه الابتدائي هناك متخفيا وعاش تلك الفترة محروما من الجنسية. أما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسيف وبعد انتهائه انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافة الحزب مثل صحيفة الاتحاد والجديد التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها. كما اشترك في تحرير جريدة الفجر وبعد ذلك انتقل إلى القاهرة حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر في مجلة الكرمل.

هذا الشاعر الوطني اختار طريق النضال بالكلمة وبقدر ما ساهمت هذه الطريق في تعزيز خطواته الإبداعية جعلته عرضة لممارسات القمع الإسرائيلية، فاعتقل عدة مرات بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي واستمر في كتابة الشعر ونشر ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" في سن 19 عاما.
''محمود درويش'' أحد أبرز من ساهم في تطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه، فشعره يمتزج فيه حب الوطن والغربة والحبيبة. قصائده تشبه السيمفونيات الأدبية فهي مليئة بالموسيقى والإيقاع الشعري وربما كان هذا سبب اختيار الكثير من المطربين والموسيقيين لقصائده من أجل التغني بها، ولعل أشهرهم مارسيل خليفة وماجدة الرومي وأصالة نصري وفرقة الثلاثي جبران التي رافقته خلال آخر عشر سنين من حياته ليمتزج عبق قصائده بموسيقى الروح. في نصوص هذا الشاعر تحضر شفافية العاشق الذي يجعلك تلمس قلبه المغزول بشغف ونسق عاطفيين لذلك لم ينس يوما أن يذكر الآخرين كيف يعشقون ولو طال الانتظار.

من مؤلفاته "أثرالأفرشة" التي نشرت عام 2008 و"يوميات الحزن العادي" و"حيرة العائد" عام 2007 و"كزهر اللوز أو أبعد" عام 2005 و"حالة حصار" عام 2002 و"جدارية محمود درويش" عام 2001 "سرير الغريبة" عام 2000. وقد حصل على عدة جوائز من بينها جائزة لوتس عام 1969 وجائزة البحر المتوسط عام 1980 ثم درع الثورة الفلسطينية ولوحة أوربا للشعر عام 1981 و جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982 و جائزة نفين في الاتحاد السوفيتي عام 1983.

هذا العاشق الفلسطيني كأنه أدرك يوم أجله، فعندما كرم بإطلاق اسمه على أهم ميادين مدينة رام الله قال: "ليس من المألوف أن يكرم الأحياء فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم وما استمعت له اليوم هو أفضل تأبين أود أن أسمعه فيما بعد".

عام 2008 من حياة أديب ينتقل فيها من قمة إلى أخرى أعلى منها دون كلل أو ملل، كان إنسانا جميلا يعبر عن كل الأمور التي يراها في الحياة والسياسة وحتى الناس. وحين قرر أن يخوض غمار عمليته الجراحية الأخيرة في أحد المستشفيات الأمريكية اعتقد الكثيرون أنه سيهزم الموت كما هزمه في المرات السابقة لكنه على مايبدو رأى شبحه قادما من بعيد أراد أن يفاجئ الموت بدلا من أن يفاجئه هذا الأخير بانفجار القنبلة الموقوتة التي كانت عبارة عن شريانه المعطوب كان مستعدا كعادته لمفارقة الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.