المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال ايت حمو Headshot

بنك المغرب: بعيداً عن لغة الأرقام

تم النشر: تم التحديث:

أثارت التوقعات الاقتصادية التي أصدرها بنك المغرب حول أداء الاقتصاد جدلاً واسعاً داخل النخبة السياسية المغربية. حيث أعلن والي بنك المغرب أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال 2016 لن تتجاوز 1%. هذه النتيجة قريبة ما من توقعات المندوبية السامية للتخطيط. المعارضة ترى التقرير إدانة لأداء التحالف الحكومي وسياساتها الفاشلة، فيما ترى الحكومة أن الصورة القاتمة التي رسمها ولي بنك المغرب والمندوبية حول أداء الاقتصاد المغربي غير صحيحة، وأن هناك نوايا ودوافع سياسية خلف هذا التقرير، خاصة وأن المغرب مُقدم على استحقاقات انتخابية.

قدم السيد الجوهري، والي بنك المغرب، عدة مبررات لهذه النتيجة الضعيفة أولها التراجع الكبير للموسم الزراعي في البلاد بسبب شح الأمطار، ضف إلى ذلك نسبة النمو في القطاع غير الفلاحية ستبقى عند مستواها. ثم جاء دور مندوبية التخطيط ليؤكد توقعات والي بنك المغرب وأكدت استمرار تباطؤ النمو خلال الفصل الثاني من السنة 2016. ما يثير الاستغراب حتى وإن كانت الأرقام التي أعلنها بنك المغرب صحيحة هذا التقارب في التوقعات الأرقام بين بنك المغرب والمندوبية السامية التخطيط.

الإجابة في البلاغ الذي صدر عن البنك في 22 مارس 2016 فقد أشار التقرير أن آخر المعطيات الخاصة الحسابات الوطنية المتاحة، فهي محصورة في الربع الثالث لسنة 2015 ومصدرها نعم صحيح، المندوبية السامية للتخطيط. فمن الطبيعي أن يكون هناك تقارب في النتائج.

بعيدا عن لغة الأرقام، يمكن لبنك المغرب أن يصدر التوقعات كما يشاء، الحقيقة أن توقعاته تأتي متأخرة وغير موثوق بها ويصعب التأكد من صحتها فهي أشبه بتوقعات سميرة الفزازي مقدمة النشرة الجوية. والسبب ليس بسياسي أو اختلاف في التوجهات النظرية، لكن السبب مرتبط بالمؤسسة "بنك المغرب" نفسها

والثاني مرتبط بالمشاكل الهيكلية للاقتصاد المغربي.

في الدول المتقدمة والي البنك المركزي غالباً يكون رجل اقتصاد وليس رجلاً ماليًّا أو رجل أعمال. خذ على سبيل المثال الولايات المتحدة الأميركية محافظ البنك المركزي السابق بن بيرنانكي، هو اقتصادي أميركي حاصل على دكتوراه في الاقتصاد ومتخصص في دراسة الأزمات الاقتصادية، خاصة أزمة 1929 وكان أستاذاً جامعيًّا للاقتصاد، قبل أن يلتحق بالبنك المركزي.

السيدة التي اعتلت المركز من بعده، جانيت يلين نفس الشيء فهي هي اقتصادية أميركية، حصلت على الإجازة بامتياز مع مرتبة الشرف في الاقتصاد من جامعة براون، ثم على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ييل. قبل أن تصبح محافظ البنك المركزي، اشتغلت رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون، كما اشتغلت أستاذة فخرية في جامعة كاليفورنيا.

فطبيعة عمل والي البنك المركزي يتطلب دراية أكاديمية عميقة بالاقتصاد، خاصة تاريخ الأزمات التي عرفها العالم. بالنسبة للسيد عبد اللطيف الجوهري خريج المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس، رجل مالي عمل مدير البنك المغربي للتجارة الخارجية، وهناك فرق شاسع بين إدارة الأعمال وتحديد السياسة النقدية للبلد. فالسيد الحليمي والسيد الحليمي غير متخصص في دراسة الاقتصاد، ولم يقدم دراسات في هذا الموضوع. بالمناسبة السيد الحليمي هو من يدير المندوبية السامية للتخطيط دراسته العليا كانت في مجال الجغرافيا الاقتصادية، وغير حاصل على الدكتوراه. فنقص في الخبرة الأكاديمية من حيث دراسة الاقتصاد لوالي بنك المغرب، يجعل توقعاته وقرارته في السياسة النقدية غير قوية.

وحتى نكون واقعيين ومنسجمين، فحجم الاقتصاد المغربي يجعل قرارات بنك المغرب دون تأثير. عندما يُصدر البنك الفدرالي الأميركي تقريره، أبسط تغيير في الخطاب يقيم الدنيا ولا يقعدها، الكل يتفحص بدقة المقصود من الخطاب. نفس الشيء يقال عن البنك الأوروبي. لذا فهما يعملان بحذر لتفادي أي سوء فهم من طرف المستثمرين للحفاظ على التوازن في الأسواق المالية، خاصة أغلب الشعب الأميركي جزء كبير من ثروته عبارة عن أسهم متداولة في البورصة. غياب بورصة كبيرة ومحدودية مشاركة المغاربة في الأسواق المالية، يجعلان دور بنك المغرب محدوداً وفي غالب الأحيان دون تأثير.
ما يعاب على البيانات التي يقدمها بنك المغرب، أنها غير دقيقة. كما تمت الإشارة، أخير الإحصائيات الاقتصادية المتوفرة ترجع إلى الربع الثالث لسنة 2015 أي شهر سبتمبر/أيلول الماضي والتقرير صدر في أواخر مارس الفارق 6 أشهر، مما يجعل هذه الأرقام عبارة عن تخمينات لا أقل ولا أكثر ودون جدوى. في الدول المتقدمة هذه المعطيات كلها تُنشر شهريًّا أو مع نهاية نهاية الربع بشكل دقيق حتى يتمكن التخصصون تقيم النتائج ويكفي فقط زيارة المواقع الإلكترونية للبنوك المركزية لهذه الدول ليلاحظ المتتبع الفرق.

أول شيء في التحليل الاقتصادي يقوم به المختصون هو تقييم مدى واقعية الفرضيات والطريقةً التي أسست عليها التخمينات، التي وصل إليها بنك المغرب. فهو غير كاف تقديم النتائج النهائية، بل يستوجب على بنك المغرب بكل شفافية شرح المنهجية المعتمدة حتى يتمكن المتتبع من تقييم دقيق لهذه النتائج. فعندما يقدم بنك المغرب خلاصاته والنتائج التي توصل إليها دون شرح المنهجيات في التحليل، ينقص من قيمة هذه البيانات ويجعل النتائج التي وصل إليها غير موثوق بها. لنأخذ على سبيل المثال النتيجة التي نشرها الوالي حول الفرضية المتعلقة بإنتاج الحبوب، والتي تراجعت من 70 مليوناً إلى 38 مليون قنطار.

كما توقع بنك المغرب أن تنكمش القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 13.8 بالمائة، مع استمرار وتيرة النمو الداخلي الإجمالي غير الفلاحي محدودة في نسبة 2.9 بالمائة. هل شرح السيد الوالي في تقريره، من أين أتى بهذه الأرقام؟ وكيف حصل على المعطيات للوصول لهذه الفرضية؟ هل هناك فريق عمل من بنك المغرب يزور جميع المناطق الفلاحية أم هي عبارة عن تخمينات والله أعلم.

المشكل الأكبر الذي يواجه بنك المغرب، هو ضعف البنية التحتية للبنك المغرب من حيث الأطر وغياب الوسائل التقنية الضرورية لجمع المعطيات حول الحالة الاقتصادية في جميع القطاعات، مما يؤثر على نوعية الإحصاءات الاقتصادية التي ينشرها بنك المغرب. هذه المشكلة ليست خاصة بالمغرب وحده، لكن هذه مشكلة عالمية، ولكنها خطيرة بشكل خاص في جميع أنحاء أفريقيا. مما يجعل نوعية البيانات الاقتصادية لهذه الدول رديئة ولا تؤخد بجدية.

ما يجعل عمل بنك المغرب أكثر تعقيداً هو المشكلة الهكلية لاقتصاد المغرب. حسب المنضمات الدولية، البلدان النامية غير قادرة على إحصاء بشكل كافٍ ودقيق لحجم الاقتصاد غير الرسمي، والذي يتراوح بين 21.9% و62.7% من الناتج المحلي الإجمالي. بالنسبة للمغرب حجم هذا القطاع يصل يقدر بـ33 في المائة من الناتج الوطني الخام، مما يجعل أي إحصائيات أو توقعات مستقبلية لاقتصاد المغرب غير موثوق بها ولا معنى لها.

كل هذه المشاكل ليست بجديدة والمستثمرون الأجانب على علم بها. وعلى بنك المغرب أن لا يحمّل تقاريره أكثر مما تستحق، وعلى الحكومة ألا تكون حساسة أكثر من اللازم، فتوقعات بنك المغرب ما هي إلا تخمينات قد تكون أقرب إلى الخطإ مما هي قريبة إلى الصواب. لكن المشكلة التي يواجهها بنك المغرب أكبر من الأرقام، وتستدعي إصلاحات عميقة على مستوى المؤسسة، على اعتبار أنها مهمة ودورها أساسي في بناء اقتصاد حديث.

هذه الإصلاحات ضرورية؛ لتقديم إحصائيات سريعة دقيقة وشفافة وإنجاز بيانات اقتصادية حقيقية، حول اقتصاد المغرب. لأن هذه المؤشرات ضرورية من حيث السرعة والدقة في رسم استراتيجية الحكومة ومهمة بالنسبة للبنك في رسم سياسته النقدية. لكن لن يتأتى ذلك دون بنية تحتية صلبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.