المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسماء بوخمس Headshot

شكراً.. لـ "الشاف عمر"

تم النشر: تم التحديث:

ثار على الواقع، وتجاوز كل عوائق الإعاقة، سلك طريق البطولة وهو يتحف ثقافتنا في الطبخ من "البطبوط" إلى "السيرومي"، كأي طفل بطل آمن بأن بين العادي والخارق للعادة بضعة أحرف مجردة وقط، كما يقول.. ليبرهن للجميع أن للمطبخ نجوماً من نوع خاص يتجاوزون معطى وجودهم ويحققون منذ الصغر ما لا يكون في الحسبان، فلا العجز ولا المرض ولا أي شيء.. رنين الإرادة لا يعلو فوقه أي صوت..

عبر الهاتف، لم يكن عمر حيويا ومبتهجا كعادته بين أهله، اليوم ولو بالصدفة يزامن أولى أيام الدخول المدرسي. قال لي بنبرة منطفئة: "(...) رغم ما قمت به من تحد لواقعي، نظرة المجتمع لـ"المعاق" تجرحني كثيرا.. (...) لم يقولون لي هذا؟ ولا يكفون عن تلك النظرات المحزنة، عوض أن يشجعوني لبذل المزيد من الجهد..؟! (...)".
هي عينة من جملة تساؤلات يطرحها طفل في سن العاشرة تجثم بكل ثقلها، لتحيلنا مجددا إلى واقع مجتمع لا يرحم. مجتمع لم يدرك بعد أن "الإعاقة" الحقيقية ليست مرتبطة بالعقل فقط، والأصعب أن يستوعب أن كل تصرف غير لائق بمثل هذه الشريحة تمظهر لخلل أعمق وربما أكثر خطورة عندما يصدر ممن يفترض أنه كامل الجسد و"عاقل". فحسب دراسة أعدتها وزارة الصحة سنة 2008، تبين أن نصف المغاربة مصابون بأمراض نفسية واضطرابات عقلية، و8 ملايين مغربي يعانون من مرض الاكتئاب.. ومنذ القدم بَين الفلاسفة كيف أن من لا يستثمر عقله هو الأحمق حقا..

مؤسف جدا أن تجد نفسك مذهولا أمام واقع ظالم، وكأن شخصية بعض مواطنينا تُجتَث منها القيم والإنسانية، فتراهم "يقذفون" بالكلام ذات الشمال وذات اليمين، بمجرد رؤيتهم لإنسان يمشي على كرسي متحرك، أو يعاني من إعاقة ذهنية أو بصرية أو غيرها، يصفونه "بالمسكين" و"المعاق"، دون أي اهتمام لوقع ذلك على معنويات ونفسية هؤلاء..
هؤلاء أشخاص لا حول ولا قوة لهم فيما حل بهم بغتة أو منذ صرختهم الأولى، ومع ذلك يقاومون ويصمدون وتراهم ينشرون البسمة حواليهم، بل إنهم يكونون أكثر إتقانا وضبطا في مجالات عدة إذا توفرت لهم ظروف تجاوزهم للحطام الذي يرميهم به المجتمع. وبالتالي ليس من حق أي كامل البنية أن يتعالى ويتفاخر بتميزه الوهمي مقارنة معهم..
والعبرة من عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ، المصاب بالتصلب الجانبي الضموري.. من أفضل ما قال: "يوجد داخل كل فرد منا شرارة من النار والطاقة الإبداعية الخلاقة، لقد فقد العديد منا إمكانية استخدام أجزاء من أجسامهم بسبب حادث أو مرض، ولكن هذا في الواقع لا يشكل أهمية كبيرة لأنه فقط مشكلة ميكانيكية، أما الشيء المهم فهو أننا نمتلك الروح الإنسانية والقدرة على الإبداع".

هم لا ينتظرون منا الرأفة، بقدر ما يحتاجون لبسط الحقوق والقوانين التي سن عليها المغرب على أرض الواقع، من قبيل التفعيل التام للقانون رقم 03.10 المتعلق بالولوجيات، فالواقع المعاش عبر ربوع المغرب، وخاصة المناطق البعيدة عن المركز، يبين بالملموس مدى معاناة هاته الفئة من ولوج المرافق العمومية من مدارس وفضاءات ووسائل نقل. وفي الانتخابات المحلية والجهوية التي عرفها المغرب، سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان من بين انتقاداته صعوبة مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة مشاركة كاملة في الانتخابات، خاصة بسبب غياب الولوجيات بمكاتب التصويت وعدم تكييف الدعامات التواصلية مع حاجياتهم (المكفوفين وضعاف البصر...).
إن المغرب يضم 1,53 مليون شخص ذي إعاقة، أي 5,12 بالمائة من الساكنة، هم بالتالي ليسوا "شرذمة" معزولة لا نصيب لها في الوطن غير تلك النظرة والمعاملة الدونية، بل يشكلون طاقة بشرية مهمة نصادفها يوميا وتعيش معنا، وبالتالي لا يصح بتاتا أن ينحصر موقعها في المجتمع عبر مقاربة الخير والإحسان و"التطبيل" المناسباتي.
"أنت مجرد معاق"، هكذا تلفظها زميل عمر، يقال أن الأطفال أبرياء.. ومن يجادل؟ أليست تصرفاتهم انعكاسة وخلاصة لما يلقن لهم وما يقال أمام مسامعهم؟
كفانا إذن من جرح الأشخاص ذوي الإعاقة، ولنعد التفكير بشكل جدي ومسؤول في واقع تربيتنا وتعليمنا "المر" الذي يتخبط من جراء استراتيجيات وضعت النجاح والنقط والامتحان محاورها الأساسية، وينقصها الكثير من التطبيقي والتجريبي والواقعي، ويلزمها مضمون غني في فن الحياة والتشارك والاحترام وغيرها من القيم. والنتيجة أنها تُولد لنا تنشئة غير سوية مسلوبة الإرادة والقيم السمحة، لم تتلقن ثقافة التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، لأن تربية التنشئة لم تدرج ضمن أولوياتها تمكين هذا الأخير من الإبداع والإنتاج كسائر الأشخاص السليمين.

عمر عرشان تجرع الإصابة بمرض نادر (مرض الاعتلال العضلي) منذ طفولته، ما جعله يقتعد الكرسي المتحرك. اشتهر لدى متتبعيه على مواقع التواصل الاجتماعي بلقب "الشاف عمر(Chef Omar)"، ويعد أصغر بودكاستر مغربي في مجال الطبخ. ابتسامته الجميلة لا تغادر محياه وعيناه تشعان شغفا وهو يحكي عن سر ولعه بالطبخ، "أريد أن أصبح "شافا" مشهورا عالميا (...) أشارك الناس ما أقوم بإعداده من وجبات، ولم لا تقديم برنامج تلفزيوني". عمر مثال حي لطفل "معاق" يحقق أحلامه ويثابر بكل أمل وحب. عمر درس كبير في الحياة لأولئك الذين يحجبون ذوي الاحتياجات الخاصة من أبنائهم خلف الأضواء... لعمر الآن صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تجاوز أعضاؤها 30000 معجب.

عمر..
الحياة هي أن تعيش يومك بحلمك، أن تتعلم، أن تبتسم، أن تمنح طاقة إيجابية لمن حولك.. الحياة تحد مثير يستحق النزال.. إنها تستحق أن تعاش بتقدير الذات والتفاؤل.
لا تأبه بكل الآخرين أيها البطل.. سر على دربك بخطاك..
حسبك أقرباؤك وأوفى الأصدقاء، من يقدرون جهدك ويسعدون لكل خطاك..
لقد صرت أيقونة للعزيمة والتحدي والتسامي، إذ تنتشل القلوب من ركام نظرة الآخر، فتحرضها على السير قدما في الحياة..
نعم، لقد علمت الكبار دروسا بليغة في الحياة، بشهادة أمك..
فشكرا لك يا عمر..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.